مقالات في الفلسفة للبروفيسور موسى معيرش

  • تجويد
  • Topic Author
  • Offline
  • مشرف سابق
  • مشرف سابق
More
قبل 15 سنوات 3 شهور #4408 by تجويد
[size=200:2f43o3a0][align=center]قسوم ومدارس الفكر العربي الإسلامي المعاصرة.


الأستاذ الدكتور : موسى معيرش



























مدخل:
يعد عبد الرزاق قسوم من المفكرين الجزائريين القلائل الذين قدموا منهجا وتفسيرا جديدين في دراستهم للفكر العربي الإسلامي ويتجلى هذا الجهد في مجالين هامين : فهو من جهة من المساهمين في إثراء هذا الفكر بوصفه مفكرا متميزا أسهم بالعديد من مؤلفاته في هذا المجال سواء أتعلق الأمر بدراسته لبعض شخصياته المميزة أو بمساهماته الفكرية الواضحة. و من جهة ثانية بتحليلاته ودراساته النقدية بوصفه باحثا أكاديميا وأستاذا جامعيا بلور العديد من الأفكار وأثر في الكثير من طلبته الذين صار البعض منهم باحثين ومفكرين لا يشق لهم غبار تعدت شهرتهم الجزائر إلى العالم العربي والإسلامي.
مع هذا فإنّ القلائل من يعرف قسوم بهذه الكيفية، وهذه الدراسة هي في الحقيقة محاولة للاقتراب من الرجل وفكره، هادفة إلى تسليط الأضواء على بعض الجوانب منها دون أن تدّعي أنها تغطي شخصية قسوم، وداعية في الوقت نفسه إلى الاهتمام بمفكرينا من خلال دراسة أفكارهم والتعريف بها باستخدام المنهج العلمي الذي يتطلب الحياد والموضوعية ولكن دون تحامل أو مجاملة .


*****




1-قسوم المفكر والإنسان:
مع ما لقسوم من إسهامات هامة ومميزة فإنّ الكثير من باحثينا فضلا عن طلبتنا لا يكادون يعرفون عنه- وعن المفكرين الجزائريين-إلا القليل، وهو ما يدفعنا هنا إلى تقديم لمحة موجزة وسريعة عن أهم محطات حياته وأعماله تسهيلا لفهم أكثر وأشمل لهذا الرجل وفكره.
ولد عبد الرزاق قسوم بالمغير وهي مدينة صغيرة تتبع إداريا في الوقت الحالي لولاية الوادي بجنوب شرق الجزائر عام 1933م، في أسرة تحترم العلم وتقدسه ، إذ كان والده أحد فقهاء بلدته، مما جعله يهتم بتعليم ولده علوم العربية و وأرسله إلى الكتاب لحفظ القرآن الكريم دون أن يهمل اللغة الفرنسية. وبعد تأسيس معهد ابن باديس بقسنطينة التحق به عبد الرزاق سنة 1948م ليتتلمذ فيه مدة خمس سنوات كاملة.
إنظم إلى ثورة التحرير مبكرا ، وهذا بعد عودته مباشرة إلى مسقط رأسه ليقوم بتعليم أبناء بلدته،ثم انتقل إلى الجزائر العاصمة معلما وفدائيا إلى غاية الاستقلال ليعود إلى ميدان الدراسة فالتحق بجامعة الجزائر ليخرج منها بشهادتي لسانس ،الأولى في الترجمة عام 1967م والثانية في الفلسفة عام 1969م. لينتقل بعد مدة إلى جامعة السربون بفرنسا حيث تحصل على شهادة الدكتوراه عام 1979م.ليعود إلى معهد الفلسفة مدرسا ليعين بين سنتي1989و1995م مديرا للمعهد العالي لأصول الدين بالجزائر العاصمة.
إذا كان نجاح الإنسان يقدر بمقدار الأثر الذي يتركه هذا الأخير سواء بعمله أو في ذرية صالحة ، فكذالك الأمر بالنسبة لقسوم الذي عرفته مفكرا و عرفت أعماله العلمية والكثير من طلبته الذين أصبحوا باحثين ومفكرين فضلا على أنّ جهده في تربية وتعليم أبنائه يكاد يوازي أو يتفوق على جانبه المعرفي وهو ما لاحظته لما التقيت بأبنائه وبناته ومنهم الدكتور نضال أستاذ الفيزياء بالجامعة الأمريكية بالشارقة بالإمارات العربية المتحدة.
وتكريما لأعماله الفكرية نظم له في جوان 2006م مخبر الدراسات الفلسفية والتاريخية بجامعة منتوري بقسنطينة برعاية الأستاذ الدكتور عبد الكريم بوصفصاف يومان دراسيان لمناقشة أعماله ودراستها، والتي توزعت على النحو التالي :
-عبد الرحمان الثعالبي والتصوف.
-مفهوم الزمن في فلسفة أبي الوليد بن رشد.
-مدارس الفكر العربي الإسلامي.
-نزيف قلم جزائري.
-مفهوم الزمن في الفكر العربي المعاصر وقد أصدره باللغة الفرنسية.
-فلسفة التاريخ من منظور إسلامي.
-تأملات في معاناة الذات.




*****



2-مراحل الفكر العربي الإسلامي:
يثير عبد الرزاق قسوم في كتاباته العديدة إشكاليات معرفية ومنهجية مختلفة فيما يتعلق بالفكر الإسلامي، منها على سبيل المثال لا الحصر إشكالية التسمية ، دون أن يهمل الحديث عن إشكاليات تطوره.
هذا ما يدفعنا إلى التساؤل حول طبيعة القضايا التي يطرحها قسوم ، وإذا ما كانت قد طرحت من قبل أم لا ؟ وإذا كان الأمر قد طرح من قبل فماذا أضاف قسوم لذلك أم أنه أعاد طرح الإشكالية دون أن يقدم الجديد؟.
هذا ما سنحاول أن نناقشه في هذا العنصر.
بداية لابد و أن نحدد المقصود بمصادر الفكر العربي الإسلامي هذا تلافيا لكل لبس خصوصا وأن بعض الباحثين لا يفرق بين المقصود بمصادر الفكر الإسلامي والمقصود بمصادر الفلسفة الإسلامية ومن ثم الخلط بين الفكر والفلسفة، وهذا يقودنا إلى أن نحدد مفهوم هذا الفكر.
أما فيما يتعلق بمصادر هذا الفكر فقسوم يرى أن المقصود بها ليس مصادر محددة لمفكر معين أثناء محاولته شرح الإسلام وإنما يقصد به مجمل المصادر التي تشكلت في مختلف العصور وساهمت بل وقادت إلى إنتاج هذا الفكر بمختلف اتجاهاته. أما المهتمون بدراسة هذا الفكر ورغم تنوعهم وكثرتهم فهم لا يخرجون عن دائرتين أساسيتين حسب وجهة نظر قسوم هما:
- دائرة الخطاب الديني.
-دائرة الفكر الفلسفي.
إلا أن المتمعن في هذا التقسيم يتبادر إلى ذهنه السؤال التالي: هل كان استخدام قسوم مصطلح خطاب عندما تحدّث عن الدائرة الأولى ومصطلح فكر عندما حدد الدائرة الثانية مقصود أم لا؟ و إذا ماكان مقصودا فهل يعني ذلك أن هذا التميز تقتضيه ضرورة معرفية ابستمولوجية أم ضرورة منهجية؟.
في محاولته تقديم قراءة جدية لزمن الفكر الإسلامي ينطلق قسوم من نقده للقراءات السابقة ، ويرى أنها في مجملها تنطلق من قراءة غربية لزمن غربي يقسم مراحل الفكر إلى فكر قديم وفكر وسيط وآخر حديث ، وهذه القراءة حسب وجهة النظر هذه وإن كانت مقبولة في الفكر والفلسفة الغربيتين فهي مرفوضة معرفيا وتاريخيا بالنسبة للفكر العربي الإسلامي،كما لا ينفي قسوم أنّ هنالك محاولات جادة لتقديم زمن مقارب لهذا الفكر كما فعل فهمي جدعان عندما قسم مراحل هذا الفكر على النحو التالي :
- مرحلة التنوير الديني في بناء الحضارة.
- مرحلة التوقف الحضاري والتوازن.
- مرحلة اختلال التوازن والانحطاط.
- مرحلة اليقظة والنهوض.
رغم الجهد المبذول والتفرد الذي نظر من خلاله فهمي جدعان إلا أنه حسب قسوم لم يخرج من تحت سيطرة تأثير الزمن الغربي نتيجة لاستخدامه مصطلحاته التي لا تصلح لقراءة وتفسير الفكر العربي الإسلامي، ونتيجة لهذا يحاول قسوم أن يقدم قراءته الخاصة حيث يقول:" لقد كنا نود أن تكون مراحل الفكر العربي الإسلامي على النحو التالي:
1-مرحلة الفتح والفتوحات.....
2-مرحلة التحرير العقلي....
3-مرحلة الإبداع العلمي...
4- مرحلة المد والجزر الحضاريين...
5-مرحلة النهوض والصحوة...
6- مرحلة التحدي وهي المرحلة المعاصرة ً (1) .
إلا أن المتمعن في هذا التقسيم يتساءل حول الجديد الذي أضافه ،وعن ما يميزه عن تقسيم فهمي جدعان الذي انتقده قسوم من قبل ماعدا الاختلاف في استخدام بعض المصطلحات علاوة على تقسيمه للمرحلة الأولى والأخيرة إلى مرحلتين مادام المضمون واحد، ومع هذا فإننا لا ننكر حق الفيلسوف في أن يكون له مفرداته الخاصة وتصنيفه المميز وهو ماكان لقسوم.
ومن هذه الناحية يمكننا القول أن صاحبنا قدم تصنيفا لتاريخ الفكر الإسلامي ينسجم مع قناعاته وتصوراته و منطلقاته وهذا إذا ما طبقنا معاييره التي وضعها في كتابه مدارس الفكر العربي المعاصرة، وبهذا يكون قد حقق الهدف الذي جاء من أجله هذا التصنيف وهو محاولة التحرر من سلطة الفكر الغربي.






*****




3- إشكالية التسمية:
لا يقتصر الخلاف حول طبيعة الفكر الإسلامي وإنما يتعداه إلى إشكالية تسميته، والواقع أن هذه الإشكالية سبقت قسوم سواء أكانت هذه الأسبقية تعود إلى تاريخ طرحها أو في الكيفية التي عولجت بها وهو ما يدفعنا إلى أن نتساءل هنا عن مبررات إعادة طرح قسوم لها.
قلنا أن طرح إشكالية تسمية الفكر الإسلامي أثيرت في الفكر الغربي الحديث والمعاصر كما طرحت في بلاد المسلمين بعيد ذلك فإذا أخذنا الفيلسوف الألماني هيجل نجده يثير الإشكالية إلى أبعد من مسالة تصنيف هذا الفكر وتسميته إلى إشكالية وجوده وطبيعته وهو بهذا يذهب إلى نفي وجود فكر عربي إسلامي أساسا معتبرا أن ما هو موجود عند هؤلاء ويطلق عليه فلسفة أو فكر لا يغدو أن يكون ترديدا لأفكار اليونانيين وأمثالهم دون أن يعمل العرب على الإضافة أو الابتكار.
أما الفيلسوف الفرنسي أرنست رينان صاحب كتاب ابن رشد و الرشدية فيذهب إلى أن ما عند المسلمين مجرد شرح وتقليد لفلسفة اليونان بمختلف مدارسها وتوجهاتها وهذا انطلاقا من كون الفكر والفلسفة فعل مميز لا تقدر عليه الشعوب السامية التي تميل إلى التبسيط وتبتعد عن التعقيد وهو ما نجده في قوله:" وليس العرق السامي هو ما ينبغي أن نطالبه بدروس في الفلسفة ومن غرائب النصيب أن لا ينتج هذا العرق الذي استطاع أن يطبع على بدائعه الدينية أسمى سمات القوة أقل ما يكون من بواكير خاصة ضمن حقل الفلسفة، ولم تكن الفلسفة عند السامين غير استعارة خارجية صرفة خالية من كبير خصب غير اقتداء بالفلسفة اليونانية"(2).

بالنسبة للمفكرين العرب والمسلمين الذين تصدوا لمناقشة هذه الأفكار معتبرين أن النظرة الغربية لا تنمّ عن جهل بحقيقة هذا الفكر فحسب وإنما تدل على نظرية عنصرية مقيتة وهو ما عبر عنه مصطفى عبد الرازق في كتابه الشهير تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية.إلا أن هؤلاء المفكرين سرعان ما انقسموا بين تيارات ثلاث أولها يمثله مسيحيو لبنان بصورة خاصة الذين يعتبرون هذا الفكر والفلسفة التي أنتجته عبارة عن فلسفة عربية خالصة على أساس أنه نتاج اللغة العربية التي يشترك فيها المسيحيين والمسلمين العرب على حد سواء وفي هذا السياق كتب جميل صليبا تاريخ الفلسفة العربية وكذلك فعل حنا الفاخوري وخليل الجر(3).
بينما ذهب آخرون إلى أن هذا الفكر هو فكر إسلامي خالص وهو ما تجلى في كتاباتهم ، وفي هذا السياق يمكن أن نشير إلى أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة في الأربعينات من القرن الماضي ونقصد به مصطفى عبد الرازق الذي قدم وجهة نظره في كتابه الشهير تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، و تلامذته من بعده كسامي النشار وغيره. ولا نستغرب في هذا المجال أن نجد بعض المستشرقين كهنري كوربان ودي بور بذهابهما هذا المذهب(4).
في الوقت الذي ينتقد قسوم هذه التصورات ويعتبر أن أفضل تسمية تطلق على هذا النوع من التفكير هو الفكر العربي الإسلامي وهو ما تجلى في كتابه الذي نقوم هنا بمناقشته (5). إلا أن الملاحظة الأساسية التي يمكن أن نسجلها هنا على قسوم هو أن إشكالية التسمية التي أثارها تتعلق بفكر قديم ولكنه هنا لا يتحدث عن فكر حديث فحسب وإنما عن فكر معاصر مازال أغلب ممثليه أثناء إصداره لهذا الكتاب أحياء يرزقون بل ولا يزال أكثرهم على قيد الحياة ونحن نعدّ هذه الدراسة بعد عشر سنوات كاملة من صدور كتاب قسوم.
يبدو أن صاحبنا يرى أن الأحكام التي أطلقها سابقوه على الفلسفة الإسلامية أو العربية تنطلق من مسلّمات ومنطلقات ثابتة وبالتالي تنطبق حتى على كل فكر يأتي بعدها كما انطبقت على كل فكر سابق عنها وهذا إن صح فهو مصادرة عن المطلوب كما يقول المناطقة ، وتصور يضع الفكر في قالب جاهز يمنعه من التحرر والإبداع وهو ما لا يقبله قسوم وينتقده و لا ينادي به .
*****















4- مدارس الفكر العربي الإسلامي:
ينفرد عبد الرزاق قسوم بتصنيف جديد ومميز لمدارس الفكر الإسلامي المعاصر يقوم على أسس ثلاث هي على النحو التالي:
أ- مدرسة المنطلق العقلي والمصب الديني:
يقول عبد الرزاق قسوم في تعريفه لهذه المدرسة:"إن هذه المدرسة تضم عينات من المفكرين الذين توجهوا تحت ظروف تكوينية خارجية أو داخلية معينة، على منح العقل أولوية خالصة في الدراسة، والبحث ، واعتماد منهجية ولكنهم وجدوا أنفسهم يخدمون الفكر الديني ويجعلونه الهدف الأسمى والوحيد...و كأنهم يريدون بذلك التأكيد على أن العقل متى أحسن توجيهه وأقيم على مقدمات سليمة؛ فإنه لا محالة يقود إلى نتائج سليمة، وهل هناك نتيجة أعظم من فهم الدين فهما عقليا منطقيا"(6). ولتمثيل هذه المدرسة يقدم قسوم ثلاثة أسماء لمفكرين مصريين هم:
- خالد محمد خالد.
-محمد عمارة.
- مصطفى محمود.
دون شك فإن هذه الشخصيات تنطبق عليها القوالب التي وضعها قسوم لهذه المدرسة في كثير من نقاطها فهي شخصيات اتجهت في مرحلة ما بعد التكوين إلى الفكر العلماني فهاجمت المشتغلين بالدين أحيانا والدين في حد ذاته في أحيان أخرى لكنها سرعان ماعادت لا لتدافع عنه فحسب بل ولتكون ممثلة له : دفاعا وتنظيرا ، ومهاجمة لخصومه، إلا أن هذا لا يمنعنا من الإشارة إلى أن بعض هذه الشخصيات في الأصل ذات تكوين ديني كخالد محمد خالد خريج الأزهر.
إلا أن السؤال الذي يواجهنا -وكنا قد وجهناه من قبل لقسوم – يتعلق بالأسباب التي دفعت قسوم إلى الاقتصار على شخصيات مصرية -بغض النظر عن قيمتها العلمية ومكانتها الفكرية التي لا يمكن التشكيك فيها حتى من قبل خصومها-ودون شك فإنّ هناك شخصيات عربية وحتى جزائرية كثيرة مثلت هذا الاتجاه ،كان من المستحسن الإشارة إليها ودراستها كمالك بن نبي مثلا. ب- مدرسة المنطلق الديني والمصب العقلي:
يحاول قسوم أن يحدد الأطر العامة لهذه المدرسة معترفا بأن الأمر فيه الكثير من الصعوبة ومع هذا فإن السياق العام لهذه المدرسة:" سيتجلى لنا من خلال ظروف النشأة وعوامل التنمية وروافد الفاعلية، أنها ذات ألوان خاصة بعضها داخلي يستمد معالمه ، وبصمات هويته من داخل التراث الإسلامي الذي ينطلق منه في دراسته المنهجية ، والبعض الآخر خارجي وافد على العقل إما بحكم التكوين العقلي، أو بدافع نزعة الاستغراب، أو كرد فعل ضد الفكر الإسلامي فيكون بذلك كله قد حدد متطلبات الإرساء...
فأما من حيث النشأة، فإن ما يطبع هذه المدرسة هو التكوين المزدوج الذي وإن اتخذ الدراسة الإسلامية مادة لدراساته، إلا أنه يغلب عليه التوجه الفلسفي في المنهج والتكوين والاستنتاج"(7).. ولتمثيل هذا الاتجاه الفكري يستحضر قسوم ثلاثة شخصيات علمية وفكرية هي:
- حسن حنفي من مصر.
- محمد عابد الجابري من المغرب .
- ومحمود المسعدي من تونس.
وإن كنا لا نشك لحظة في أن هذه الشخصيات تصب في الاتجاه العقلي الخالص إلا أننا نتساءل عن منطلقاتها الدينية إذ لا يخف على أحد أن تكوين هذه الشخصيات فلسفي عقلاني إلا أنها كما يبدو اتجهت تحت ظروف عديدة إلى الاهتمام بدراسة التراث وفق منهجها العقلاني ولم يعرف عن هذه الشخصيات في يوم من الأيام انطلاقها من الفكر الديني وهذا خلافا لأنصار الاتجاه الأول الذين انطلقوا من مهاجمة الدين –رغم تكوين بعضهم الديني- ومحاربة مفكريه ووصف رجاله بالتخلف ليتحولوا إلى مدافعين ومؤيدين وصولا إلى اعتبارهم ممثلين لهذا الفكر.
ج- مدرسة المنطلق العقلي والمصب اللاّديني:
عن الكيفية التي انتقى بها قسوم ممثلي هذه المدرسة يقول:" فقد راعينا في اختيارهم التنوع اللغوي، والتلون الثقافي والتوازن الجغرافي ، مما يعطي دراستنا موضوعية أكثر، ومصداقية أشمل لهذا وقع اختيارنا على كل من الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا من مصر، والدكتور محمد أركون من الجزائر مولدا، الفرنسي جنسية، والدكتور هشام جعيط من تونس"(8).
رغم إقراره بصعوبة الجمع بين هذه الشخصيات في مدرسة واحدة، إلا أنه يقول بإمكانية ذلك وهو ما يبرزه قوله:" على أن ما يشفع لنا في الجمع بين هؤلاء المفكرين- بالرغم من اختلاف مواقعهم ومصادر تكوينهم، وتباين لغاتهم- السمات العامة، والتي هي القواسم المشتركة التي تطبع توجههم المنهجي الاديولوجي العام" (9) .
أما بالنسبة للنقاط العامة التي تحدد الأطر العامة لهذه المدرسة ، وتجمع بين أتباعها فيحددها قسوم في مايلي:
1- التكوين العقلي الفلسفي.
2-المنهج الشكي إزاء النص الديني .
3 -رفض إضفاء القداسة على النص الديني الإسلامي.
4-النزعة الانسلابية.
5-مناصبة العداء للعاملين في الحقل الديني.
6-التركيز على المبدأ النقدي.



الفيلسوف عبد الرزاق قسوم


*****




5- بين الموقف والمنهج:
يطرح عبد الرزاق قسوم في كتاباته أحد أهم الإشكاليات المتعلقة بالفكر الإسلامي بقوله:" يمكن -بكل موضوعية- الانطلاق في تحليل منهجية الفكر العربي الإسلامي من حكم قاس ، يتمثل في أزمة المنهج في دراسة هذا الفكر، فالدارس ما يزال محتارا في اختيار المنهج الأسلم للتمكن من سبر أغوار خبايا إنتاجنا الإسلامي ،وإخضاعه للتصنيفات الفكرية والفلسفية السائدة في العالم، أو صياغته ضمن منهجية خاصة بالعقل العربي الإسلامي، تكون موازية للمناهج، بل وبديلة عن القوالب الجاهزةً "(10).
المتصفح للباحثين في التراث الفكري الإسلامي يلاحظ تعدد المناهج المعتمدة وقلة النتائج المستخلصة؛ فهذا منهج ماركسي يعتمد الجدل أساسا والمادية التاريخية والمادية الجدلية منطلقا ومرتكزا والتفسير المادي للتاريخ هدفا وهو ما فعله حسين مروة في كتاباته المختلفة وخصوصا في كتابه الضخم النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية.
بينما اعتمد البعض الآخر منهج كلود ليفي ستروس المعروف بالبنيوية وبشّر به كمذهب وحيد غير قابل للنقد ، دون أن ننسى أن هناك من جعل من الوجودية فلسفة ومنهجا كعبد الرحمان بدوي في فترة هامة من حياته، أما زكي نجيب محمود فاعتمد على الوضعية المنطقية وباختصار فالعديد من الفلاسفة والمفكرين العرب المحدثين منهم والمعاصرين اقتبسوا مناهج غربية و حاولوا تطبيقها على الفكر العربي الإسلامي قديما وحديثا ليعود بعضهم عنها فيما بعد.
فكيف تعامل قسوم في كتابه مدارس الفكر العربي الإسلامي المعاصرة مع إشكالية المنهج؟ ويبدو هذا السؤال مبررا عندما نعرف أنه يتعرض لمدارس متناقضة في منطلقاتها ومصابها ومختلفة في أهدافها من جهة ، كما أنه من جهة أخرى مفكر ينتمي إلى مدرسة لها منطلق ومصب، ومن هنا تكمن صعوبة التعامل مع المناهج والمواقف ويأتي السؤال الذي طرحناه . للإجابة عن ذلك نجد التزام قسوم بالموضوعية والحياد في مناقشة خصومه بصورة تجعلنا نتذكر الباحث الأكاديمي العقلاني الجاد في شخصية قسوم التي تمارس النقد والتحليل لا من أجل التسلية والتلاعب بالألفاظ وإبراز القدرة على التحكم في آليات المعرفة ، وإنما بحثا للوصول إلى الموقف الذي يتطلبه الأمر. وهذا ما نستشفه بوضوح من خلال حديثه عن الكيفية التي سيتعرض بها للحديث ومناقشة ممثلي مدرسة المنطلق العقلي والمصب اللاديني حيث يقول:" أما ما نلتزم به فهو أننا سنعمل على محاورة كل مفكر من منطقه العقلي ، ولكن حسب تحديدنا الخاص لمدلول المنهج العقلي، والذي لا نعتقد أن يختلف معنا فيه كل ذي عقل سليم.فإن فهمنا للعقل يتخذ مدلولا شموليا بحيث لا يقصي النص الديني من دائرته ، بالأصح أن يكون العقل هو دعامة النص الديني، وبالتالي يكون التمازج والتكامل بين النص الديني والمنهج العقلي"(11). وهذا دون أن ينسى أن الهدف الأساسي من كل ذلك يكمن في خدمة الفكر توجيها للباحثين.
كما لا يختلف في محاوراته لبقية المدارس عند تعامله مع ما وضعه هنا منتقدا القوالب الجاهزة التي اعتمد عليها أنصار المنطلق الديني والمصب العقلي والمقولات التي ألزموا بها أنفسهم والمستمدة من الاتجاهات الفكرية الأوروبية بشكل عام والفرنسية بوجه خاص.
أما موقفه من الاتجاه الأول فيبدو أنه لا يخفي على أحد تعاطفه معه دون أن ينسيه هذا التعاطف مكانته كباحث ينشد الوصول إلى:" الحقيقة ما أمكننا ذلك ، والعمل على بلوغ أوفر قسط منها في حدود ما يسمح به ضعف وسائلنا المتاحة. و ما تمكننا به ذاتيتنا البشرية بميولها ، وانفعالاتها وقناعاتها الخاصة"(13). هنا نصل إلى مرحلة هامة في دراستنا لقسوم فأين نصنفه؟ أنصنفه ضمن المدرسة الأولى ، الثانية أم الثالثة؟ بحسب الملامح العامة التي وضعها نستبعد تصنيفه ضمن المدرستين الأخيرتين ، فهو لا يعادي الدين ولا رجاله كما فعل أنصار الاتجاه الثالث، في الوقت الذي يعمل على التحرر من القوالب الغربية التي وضع فيها أنفسهم أنصار الاتجاه الثاني. فهل معنى هذا أنه يمكننا تصنيفه ضمن الاتجاه الأول؟ .
مرة أخرى نصطدم بصعوبة ابستمولوجية أخرى فرغم أنه مدافع عن الدين مستخدما العقل للدفاع عنه إلا أنه مثل أبي حامد الغزالي ذا تكوين ديني ولم يعرف عنه مهاجمته للدين في مرحلة من مراحل حياته ، وهذا ما يقودنا إلى القول أن قسوم لا يجد نفسه ضمن التصانيف التي وضعها وإنما خارجها و هو ما يجعلنا نكاد نجزم أن قسوم سيعمل على إثراء تصنيفه هذا بإضافة منطلق و مصب جديدين من شأنهما أن يستوعبا الكم الهائل من المفكرين الذين لم يجدوا أنفسهم في هذا التصنيف.
ومع هذا فقد ظل قسوم وفيا للمنهج الذي وضعه مع خصومه الذين يختلف معهم شكلا ومضمونا حيث لم يكتف بالعودة إلى بعض مصادرهم بل أنه عاد إلى أغلب تلك المصادر التي أنتجوها كما لم يتوقف عن نعتهم بالفرسان الذين يجب احترامهم وتقديرهم بغض النظر عن اختلافنا معهم، وهو ما فعله مع أنصاره أو قل الذين يتعاطف معهم ، إذ رغم التعاطف الذي يفهم ضمنا فإن ذلك لم يمنعه من أن يحاورهم محاورة الأكاديمي الناقد الباحث عن الحق والحقيقة وهو ما عملنا على الالتزام به في هذه الدراسة .
ولنا أن نقول أننا نقف هنا أمام شخصية متكاملة ومفكر متزن وملتزم إذا ما قال فله ما يقول، و إذا انتقد فسيكون منصفا، فيلسوف صاحب موقف ولسنا أمام مقلد متبع باختصار نحن أمام شخصية علمية وفكرية متميزة. قلما نجد نظيرا لها.


*****











المصادر والمراجع:

1-عبد الرزاق قسوم: مدارس الفكر العربي الإسلامي المعاصرة، تأملات في المنطلق..والمصب، دار عالم الكتب الرياض ، الطبعة الاولى1997م ،ص 33؛43.
2-انظر رينان: ابن رشد و الرشدية، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء الكتاب العربي القاهرة1957م ،ص 15.
3- في هذا السياق نلاحظ الكتابات التي أصدرها هؤلاء في الموضوع تعبر عن هذه الفكرة فقد أصدر صليبا كتاب أسماه تاريخ الفلسفة العربية وكذلك فعل حنا الفاخوري وخليل الجر.
4-لكل منهما كتاب بعنوان تاريخ الفلسفة الإسلامية.
5--عبد الرزاق قسوم: مدارس الفكر العربي الإسلامي المعاصرة، ص21.
6- نفسه ،ص 92.
7-نفسه،ص 154.
8- نفسه،ص154.
9-نفسه، ص15.
10 - نفسه،ص156،157.
11- نفسه ،ص 43.


*****[/align][/size]
[align=center]

اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة

Please تسجيل الدخول or إنشاء حساب.. to join the conversation.

  • تجويد
  • Topic Author
  • Offline
  • مشرف سابق
  • مشرف سابق
More
قبل 15 سنوات 3 شهور #4409 by تجويد
[size=200:lz6go9j8][align=center]أدب الرحلة عند أبي القاسم سعد الله
الأستاذ الدكتور: موسى معيرش




مدخل:
يعد أدب الرحلة من أهم الفروع الأدبية التي لها علاقة بأكثر من علم من العلوم ؛ فالجغرافي في كثير من الأحيان كان رحالة أوله معرفة بالرحلات,وكذلك الأديب والمؤرخ وغير هؤلاء كثير؛ ورغم هذه الأهمية البالغة لأدب الرحالة؛ إلا أن الاهتمام به يكاد ينحصر لدى فئة قليلة من الباحثين والعلماء من المشتغلين بمختلف الفنون والمعارف والعلوم في العالم العربي أجمع ؛ وفي الجزائر بصورة أخص وأدق. ولكن هذا لم يمنع ثلة قليلة من هؤلاء من الاهتمام والاشتغال بأدب الرحلة والرحالة من الزاوية التي لها علاقة باهتماماتهم ومجال تخصصهم,ومن بين أهم هؤلاء وعلى الإطلاق الأستاذ أبي القاسم سعد الله والذي يمكننا أن نطلق عليه لقب مؤرخ الجزائر الأول وموسوعتها الثقافية الأولى؛ والذي تعددت اهتماماته كما تعددت مصنفاته.
إذا كان الآمر كما قلنا؛ فكيف نظر سعد الله إلى أدب الرحلة وأقسامه بصورة عامة؟ ؛ والى أدب الرحالة الجزائريين بصورة خاصة؟ ؛ثم هل اكتفي بدراسة هذا الفن الأدبي والرحالة الجزائريين فقط أم أنه هو الآخر أديب ورحالة علاوة علي كونه مؤرخا؟ ؛ و أخير ما قيمة ما كتبه في هذا المجال ؟.هذا ما نحاول الإجابة عنه ومناقشته في هذا الفصل.


*****


1-مفهوم أدب الرحلة:
تعد الحركة أحد خصائص الكائن الحي؛ إذ نجدها عند الإنسان والحيوان, وان امتازت عند هذا الأخير بكونها راقية وفي كل الحالات فان الرحلة عبارة عن انتقال من مكان إلى أخر؛فالطيور تنتقل في رحلات منتظمة في الزمان من مكان إلى آخر بل ومن قارة إلى أخرى؛ والإنسان لا يختلف عن غيره من المخلوقات فقد تعود على التنقل من مكان إلى أخر؛ وبهذا يكون الارتحال أمرا طبيعيا.
يذهب عبد الله حمادي في كتابه أصوات من الأدب الجزائري الحديث إلى القول بان :" الرحلة مهما كانت برية أو جوية أو كانت من إنجاز فردي أو جماعي تعتبر محاولة لاختراق حاجز المسافات وإسقاط الفاصل الجغرافي بين المكان والمكان. ولاشك أن من وراء هذه الغريزة المولعة بحب التنقل والترحال يكمن هدف إرادة الإنسان وحركيته المتجانسة مع حركية الحياة على الأرض"(1).
المتتبع لهذا النوع من الأدب يجده شائعا بين الحضارات المختلفة في العصور الحديثة؛ إلا انه مع هذا يعدا أدبا إسلاميا بامتياز فقد كتب فيه المسلمون الكثير وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أسماء عديدة كالمقدسي؛ ابن بطوطة؛ يحي الغزال؛ ابن جني ؛ ابن فضلان ؛وكل الذين دونوا رحلاتهم المختلفة ؛ولم يعرف هذا الأدب علماء الغرب إلا مع الاكتشافات الجغرافيا التي قام بها كريستوف كولمبوس ومجلان وفيما بعد الرحلات الدينية والاستكشافية وحتى العلمية.
*****

2-أدب الرحلة والتاريخ:
هناك علاقة وطيدة بين أدب الرحلة والتاريخ سواء أكان هذا الأخير كعلم أم فن؛ وتتجلى هذه العلاقة بوضوح في استعانة المؤرخ بما كتبه الرحالة من مشاهدات وملاحظات عينية مباشرة أو ما نقل إليه من محدثيه من أخبار ومشاهدات عادية أو طريفة؛ ويستخلص المؤرخ من كل هذا الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها ؛ ويعتبرها مصدرا هاما وأساسيا لمادته المعرفية والتاريخية .
يؤكد مصطفى ماهر هذه العلاقة أثناء كلامه عن الرحالة الغربيين في عصر النهضة بقوله:" وأن التقصي العلمي الدقيق للأشياء بدأ يأخذ مكانه في كتب الرحلات التي انتحت المنحى العلمي , وأصبحت تسعى إلى تصحيح الخرائط الجغرافية ؛ والحصول على معلومات ميدانية تفيد في شرح الكتاب المقدس؛ وفي تطوير المعرفة التاريخية المعتمدة على كتب قدماء اليونان و اللاتين (2).
كذلك فعل الأستاذ سعد الله في كتاباته المختلفة ؛فقد أدرك مبكرا هذه العلاقة بوضوح تام كما هو الحال في الصورة التي قدمها عن الجزائر في العهد العثماني أو حتى الفرنسي في الجزأين: الثاني والسابع من كتابه تاريخ الجزائر الثقافي (3). وكتاباته الأخرى التي ترجم فيها لرحالة غريين كتبوا عن الجزائر ووصفوا أوضاعها الاجتماعية والثقافية والسياسية.

*****
3- سعدالله : الأديب والمؤرخ والإنسان:
لا يكاد يختلف اثنان في الجزائر أو في غيرها من البلدان على أن آبي القاسم سعد الله هو مؤرخ الجزائر الأول وموسوعتها الثقافية الكبرى؛ ومع هذا فان الكثير من طلبتنا وباحثنيا لايعرفون عنه إلا انه صاحب كتاب : تاريخ الجزائر الثقافي. ولابأس هنا أن نقدم بعض الأسطر عن أهم أعماله واهم محطات حياته.
أ-حياته :
يقول في تعريفه جورج سالم حجار:" يمكن التعريف بالأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله بثلاث صفات وراثية: انه جزائري، عربي ، مسلم سني مالكي وبناء على هذه الأرضية البئوية التاريخية والانجازات إلى حققها ضمن هذه المنظومة أو التشكيلة المجتمعية التاريخية ؛ يمكن القول: أنه أديب بالفطرة؛ ومؤرخ بالجهد والموهبة؛ وأستاذ جامعي بالحرفة؛ وهذه الصفات هي مكتسبة"4.
قد ولد في مدينة قمار التابعة اقلميا لولاية الوادي- واد سوف- في الجنوب الشرقي الجزائري سنة 1930م ؛ في أسرة تقدر العلم وتقدسه؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الأسرة لم تنجب العالم المؤرخ والأديب أبالقاسم فقط وإنما أنجبت غيره مثل أخيه الدكتور وأستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة ورقلة حاليا ورئيس قسم الفلسفة وأستاذها في جامعة منتوري قسنطينة سابقا؛ والذي جمعتني به علاقات الصداقة إذ كنت احد طلبته في نهاية الثمانينات من القرن الماضي وزميل له في قسم الفلسفة بجامعة منتوري في ما بعد.
انتقل الجامع الزيتونة عام 1947م حيث تحصل فيها على شهادة الأهلية سنة 1954م حيث بدأ الكتابة مباشرة ومبكرا في صحيفة البصائر حيث أطلق عليه لقب الناقد الصغير ثم اشتغل بالتدريس مؤقتا ليلتحق بالقاهرة بمساعدة جمعية العلماء منتسبا إلى كلية الآداب ليتوج بشهادة الليسانس عام 1959م والماجستير عام1962م ؛ تحصل من جامعة منيوستا الأمريكية على شهادة الدكتورة سنة 1965. ساهم في تكوين الجامعة الجزائرية بتدريسه وتأليفه كما عمل أستاذا مشاركا وزائر في بعض الجامعات الغربية والعربية.
ب-مؤلفاته:
أثرى سعدالله المكتبة العربية عموما والجزائرية خصوصا بأمهات الأبحاث والدراسات التي شكلت لوحدها موسوعة متكاملة عن تاريخ الجزائر وثقافتها. ورغم ان شهرة سعدالله كمؤرخ تطغى اليوم على ماعداها إلا انه لابد من التذكير انه لم يتجه إلى التأريخ إلا مطلع الستينات ؛ رغم انه بدأ الكتابة مبكرا أي حوالي سنة1953م؛ حيث ابتداء أديبا وشاعرا؛ كما نشر سنة 1957م أول ديوان شعري له أطلق عليه اسم النصر للجزائر في اثنا عشر قصيدة بمقدمة كتبها توفيق المدني أمين عام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ورئيس مكتب القاهرة لوفد جبهة التحرير الوطني؛حيث جاء في مقدمتها:
باسم قرابين الحرية في ثرى أوراس؛ جرجرة و الونشريس؛ و الأطلس..
باسم الأرض الثائرة؛ المتمردة على النار والقيود والسياط..
باسم الجزائر الزاحفة إلى الفجر.. إلى النصر الأكبر..
باسم هؤلاء جميعا كتبت قصائدي؛ واليهم جميعا أقدمه؛ في عناق الحرية الأبدي. أما بقية مؤلفاته حسب موضوعاتها على النحو التالي:

أ-الكتب الأدبية: وتشمل الإعمال التي كتبها سعدالله في الأدب وتلك تعد من إبداعاته الخاصة هي:
-الزمن الحاضر وهو ديوان شعري ..
-سعفة خضراء وهي مجموعة قصص ..
-دراسات في الأدب الجزائري الحديث .
-تجارب في الأدب والرحلة .
-منطلقات فكرية .
-أفكار جامحة.
-قضايا شائكة.
-في الجدل الثقافي.
-هموم حضارية .
ب- كتب الأعلام: وهي حسب معلوماتنا خمسة كتب وهي مرشحة للزيادة كغيرها من مؤلفات سعدالله وتتناول أعلام جزائرية كان لها الأثر البالغ في عهدها. وهي على النحو التالي:
- شاعر الجزائر:محمد العيد آل خليفة.
- القاضي الأديب :محمد الشاذلي القسنطيني.
-المفتى الجزائري ابن العنابي.
- الطبيب الرحالة :ابن حمادوش الجزائري: حياته وأثاره.
- شيخ الإسلام الداعية السلفية عبد الكريم الفكون.
-ج الكتب المترجمة: وهي لحد الساعة ثلاثة كتب تهم بتاريخ الجزائر بكيفية أو بأخرى وهي:
-شعوب وقوميات.
-الجزائر وأوربا.
-حياة الأمير عبد القادر.
د-الكتب المحققة: وهي بحسب علمنا سبعة كتب نذكرها بحسب ترتيب صدورها قام فيها سعدالله بتحقيق العديد من مؤلفات الجزائريين المنسية:
-حكاية العشاق في الحب والاشتياق.
-رحلة ابن حمادوش لسان المقال.
-منشورات الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية.
-مختارات من الشعر العربي.
-رسالة الغريب إلى الحبيب.
-تاريخ العدواني.
-أعيان من المشارقة والمغاربة.
ه-الدراسات والأبحاث التاريخية: لاشك ان شهرة سعد الله التاريخية لم تتأت من فراغ وهذا ما يتجلى في أعماله المختلفة ذات الصلة والتي يمكننا ان نشير إليها على النحو التالي:
-تاريخ الجزائر الثقافي وقد صدر في البداية في جزاءين ومؤخرا في تسعة أجزاء وهو موسوعة الجزائر الثقافية الكبرى؛ واهم وأول تأليف جزائري بهذه الضخامة والجدية.
-أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر ويتكون من أربعة أجزاء كاملة.
-الحركة الوطنية الجزائرية ويتكون هو الأخر من أربعة أجزاء.
- محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث.
إضافة إلى عشرات المقالات التي نشرها في مختلف المجلات جزائرية كانت أو أجنبية؛ علاوة على العديد من المقالات الصحفية التي نشرت في بعض صحف الجزائر.
******










4-الرحالة الجزائريون ورحلاتهم:
اهتم سعد الله كثيرا بدراسة التاريخ الثقافي بصورة خاصة للجزائر وهذا ما جعله يخصص لذلك أكثر من كتاب ودراسة ؛ والتي من أهمها موسوعته المعروفة باسم تاريخ الجزائر الثقافي والتي صدرت في البداية في جزئيين اثنين فقط ، لتصدر مؤخرا عن دار الغرب البيروتية في تسعة أجراء كاملة ، ولعلها تصدر في المستقبل في أكثر من هذا . وقد عالجت هذه الموسوعة مختلف الجوانب الثقافية للجزائريين,كالحديث عن أدب الرحلة وإسهاماتهم فيه، والتي كان الكثير منها مجهولا عند الكثير من المشتغلين بالحقل المعرفي في الجزائر وخارجها.
هذا ما نجد الحديث عنه مفصلا في الجزئيين: الثاني والسابع خصوصا من هذا الكتاب، حيث يبرز في أخر كل منهما هذه الإسهامات، ففي ماذا تتجلى هذه الإسهامات ؟ وما قيمتها؟ .
يؤكد الأستاذ سعد الله علي أن الرحالة الجزائريين أسهموا بمساهمات واضحة وهامة في كتابة الرحلات، وبالأخص في القرن الثامن عشر (4)،ولكن هذا لا يقصد به بصورة قاطعة أن هؤلاء لم يعرفوا أدب الرحلة ولم يهتموا بتدوين الرحلات قبل هذه الفترة؛ وهذا ما يجده سعد الله لدي العديد من الرحالة كما هو الحال بالنسبة لعاشور بن موسى القسنطيني وأحمد القسنطيني المعروف بابن القنفذ، و التو يجبي التلمساني وغيرهم كثير (5).
أما في المرحلة الاستعمارية فقد عمل الكثير من الرحالة الجزائريين في خدمة الاستعمار الفرنسي كجواسيس وعيون, لنقل أخبار المناطق التي زاروها للفرنسيين, ليسهل الأمر عليهم لدخولها فيما بعد.وكثير ما استعان هؤلاء علي مشاهدات الرحالة الجزائريين؛ الذين كانت تتفق رحلاتهم في العديد من الأحيان وفق رغبة وأهداف سلطات الاحتلال الفرنسي؛ والتي كانت تأمر البعض منهم بالتوجه إلى هذه المنطقة أو تلك ونقل مشاهداتهم و انطباعاتهم أيضا.
بصورة عامة يستخلص سعد الله بأن تدوين الرحلات عند الجزائريين قليل, رغم إسهاماتهم التي لا تنكر ؛ وهذا مقارنة بالمغاربة مثلا والذين كانت رحلاتهم مدونة بل ومعروفة أيضا؛ إلا أن هذا لا يعني غياب الرحالة الجزائريين حسب الدارس ؛ وإنما يعود إلى كون أغلب الرحالة لم يسجلوا مشاهداتهم ورحلاتهم بسبب غياب حس التدوين لدى البعض منهم إضافة إلى بقاء الكثير منهم في البقاع المقدسة.
هذا فيما يتعلق بالرحلات الحجازية بصورة خاصة؛ أما الأنواع الأخرى من الرحلات والتي كانت بالخصوص في العهد الفرنسي فقد جاءت نتيجة لرغبة من السلطات الفرنسية , وقلما نجد رغبة حقيقية لدي هؤلاء الرحالة مما جعلهم لا يسجلون إلا ما ترغب فيه وترضي عنه أو تطلبه هذه السلطات.




*****


5-أنواع الرحلات الجزائرية:
يقسم المهتمون بأدب الرحلة الرحلات إلى أقسام أو أنواع تختلف باختلاف مسببات هذه الأخيرة وأهدافها,والحقيقة أن هذا التقسيم لم يعرف في البدايات الأولى لأدب الرحلة , و ا نما عرف كما يقول مولاي بالحميسي في كتابه الجزائر من خلال رحلات المغاربة في العهد العثماني:" عندما زاد على الرحلة الإقبال تنوعت الأغراض وتعددت الموضوعات وتطور هذا الفن الأدبي كما وكيفا ,أصبح من الأهمية بمكان بحيث لا تكتمل ثقافة الإنسان بدونه كما أصبح من المصادر التاريخية"(6).
في حين يذهب مصطفى ماهر إلى القول في هذا الصدد:"ويمكن القول أن أنواع الرحلات وهي: الرحلة العلمية؛الرحلة المسلية؛ الرحلة الدينية؛الرحلة السياسية؛ أصبحت واضحة المعالم وأن كل نوع سار في طريق التطور؛ فمنها ما انكمش مثل الرحلة الدينية؛ ومنها ما عظم شأنه مثل الرحلة العلمية التي تسعى إلى كشف جغرافي أو جيولوجي أو أثري"(7).
وقد تنبه سعد الله إلى هذه المسألة في كتاباته المختلفة مبكرا وهو ما نجده أثناء حديثه عن رحالات الرحالة الجزائريين في قوله: " وكانت بعض رحلاتهم نتيجة للحج , وبذلك تكون رحلات حجازية؛ وبعضها لطلب العلم وبذلك تكون علمية"(8).
لكن هل اكتفي سعد الله بهذين النوعين: الحجازية والعلمية؛ أم أنه عرف أنواع أخر ى؟ ،وإذا كان الحال كما نقول فما هي؟ ؛ وكيف عرف هذه الأنواع و نظر إليها ؟ .
للإجابة عن هذه التساؤلات لابد من الحديث عن كل نوع من أنواع الرحلات بالتفصيل.
أ-الرحلة الحجازية:
يقول الماوردي في تعريفه للحجاز:" قال الأصمعي سمي حجازا لأنه حجز بين نجد و تهامة "(9)،أما المقصود بالرحلة الحجازية فهي تلك الرحلة المتجهة إلى بلاد الحرمين مكة والمدينة المنورة بغية الحج بالدرجة الأولى؛ وهذا تلبية لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد الأقصى"(10).
وعملا بهذا الحديث يقول مولاي بالحميسي:" قصد جمهور من الأدباء والعلماء الأندلسيين والمغاربة البقاع المقدسة وبرعوا في وصف رحيلهم و ا قامتهم حتى أصبحت كتبهم دليلا لمن ينوي السفر ومرشدا لمن يحذر الخطر"(11).
والحقيقة أن الحج إلى مكة كما يرى حسين نصار كان منذ العصر الجاهلي, وبظهور الإسلام وتطهير المنطقة من الأصنام ؛ صار الناس يتجهون هناك بغية أداء الركن الخامس من الإسلام الذي هو الحج لتأدية الفريضة وتكفيرا عن الذنوب(12).
بالنسبة لأبى القاسم سعد الله فان الجزائريين في العهد العثماني بصورة خاصة كانت أكثر رحلاتهم إلى بلاد الحجاز بعامة وبلاد الحرمين بخاصة, وعلى هذا الأساس فانّ: " الجزائريين الذين توجهوا إلى الجزيرة العربية خلال العهد العثماني لم يذهبوا أليها كجغرافيين أو مؤرخين , و إنما توجهوا إليها حجاجا يؤدون الفريضة ويزورون الحرم الآمن لذلك كانت قلوبهم إلى البقاع المقدسة تسبقهم أرجلهم وخيالهم يتجاوز مرمي أبصارهم و أشواقهم إليها تنسيهم آلام الطريق و وعثاء السفر"(13)،هذا ما يقوله سعد الله في كتابه أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر. أما في كتابه \'تاريخ الجزائر الثقافي\'فيضيف قائلا":أن توجه الجزائريين إلى الحجاز كالعادة نتيجة توق روحي نحو الحرمين وزيارة البقاع التي وطئتها أقدام الرسول صلوات الله عليه وسلم وصحابته؛ فالحجاز في نظرهم ليس بقعة جغرافية تزار للسياحة والعلم ونحو ذلك؛ ولكنها كانت قطعة أرض طاهرة تضم تاريخ الوحي والدعوة و الأمة الإسلامية"(14).
لذلك يسجل فيها هؤلاء انطباعاتهم المتأججة وأحاسيسهم الفياضة بالطريقة التي تروقهم ؛ ونقصد بذلك الاستعانة بالشعر أو النثر ؛ ومنه انقسمت الرحلة الحجازية بدورها إلى رحلة حجازية شعرية وأخرى نثرية ،فكيف تعامل الرحلة الجزائريون مع هذه المسألة؟.
أ- الحجازية الشعرية:
لابد من الإشارة هنا إلى أن الجزائريين كغيرهم من الرحالة لم يهتموا كثيرا بالرحلة الشعرية؛ إلا أن هذا لم يمنع البعض منهم كما يرى سعد الله من تدوين رحلاتهم شعرا وهذا ما يستخلصه من العديد من الرحالة كما هو الأمر بالنسبة \'لعبد الله بن عمر البسكري الذي يفتتح رحلته الشعرية الحجازية بقوله :
دار الحبيب أحق أن تهواها=== وتحن من طرب إلى ذكراها.
يستطرد الدارس مضيفا في حديثه عن الرحلة الشعرية بأن الجزائريين لم يدونوا رحلاتهم الشعرية باللغة العربية الفصحى فحسب و إنما استعان البعض منهم بالشعر الملحون في تدوينها أيضا ؛ وكمثال عن الرحلة الفصيحة يقول:"ومما كتب بالفصيح قصيدة محمد بن العامري التلمساني التي فرغ منها سنة1162 هجرية وهي قصيدة همزية متوسطة الجودة "(15) ،ومطلع القصيدة كما جاء في كتاب سعد الله :
أزمع السير ان دهت أدواء== لشفيع الأنام فهو الدواء. أما فيما يخص الرحلة الشعرية غير الفصيحة فيستشهد الباحث بقصيدة الشاعر\' محمد بن مسايب التلمساني\' في القرن الثاني عشر الهجري والتي جاء مطلعها على النحو التالي:
يا الورشان اقصد طيبة == وسلم على الساكن فيها
يستدرك سعد الله مؤكدا على أن أغلب الرحلات الحجازية الجزائرية ليست شعرية(15)؛والحقيقة أن الرحلة بصورة عامة في الأدب العربي نثرية وليست شعرية وفي هذا السياق يقول حسين نصار:" إذا تركنا الشعر إلى النثر, أحسسنا أننا انتقلنا إلى مجال فسيح لا حدود له, لأن النثر هو الموطن الطبيعي للرحلة(16) .أ-ب- الحجازية النثرية:
أما فيما يتعلق بالرحلة الحجازية النثرية فتأخذ نصيب الأسدكما يذهب إلى ذلك الباحثين بما فيهم صاحبنا الذي اهتم كثيرا بهذا الصنف من الرحلات بل أننا نجده يؤكد بعد أن ينهى الحديث عن الرحلة الشعرية بأن المقصود بالرحلات ما كتب نثرا وليس شعرا ؛ ويعود ذلك :"إلى أن الأولى هي التي يسجل فيها أصحابها انطباعاتهم عما شاهدوه وسمعوه ليس فقط في الحجاز ولكن في مختلف المدن والأقطار التي مروا بها من الجزائر إلى بغداد, مرورا بتونس وطرابلس ومصر والجزيرة العربية وسورية والقدس هلم جرا(17).
ويضيف في كتابه أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر مبرزا خصوصية الرحلة النثرية وأهليتها للقيام بالدور الذي أوجدت لأجله بقوله:" ومن المصطلح عليه أيضا أن تكون الرحالات نثرية ؛ يتحدث فيها أصحابها عن مشاهداتهم وملاحظاتهم بلغة واقعية أو قريبة من الواقع(18). ويحق لنا التساؤل حول القيمة التي تمتاز بها هذه الرحلات والإسهامات التي قدمتها.
يذكر سعد الله بعض الرحلات الحجازية الجزائرية؛ ويستفيض في الحديث عن بعضها في حين نجده يشير إشارات خفيفة إلى أكثرها؛ ويعود ذلك كما يذكر ذلك بنفسه على أنه:" لا يوجد من هذا النوع إلا عدد قليل, ... ولسوء الحظ أنها على قلتها لا تكاد توجد كاملة مخطوطة, فما بالك بها مطبوعة. وسنعرف أنه لا توجد من الرحلات الجزائرية الكاملة والمطبوعة سواء رحلة الورتلاني(19)، يورد الباحث أن أول رحلة حجازية جزائرية في القرن الثامن عشر كانت للرحالة\' أحمد بن قاسم بن محمد ساسي البوني؛ المسماة الروضة الشهية في الرحلة الحجازية إلا أن سعد الله ينبه إلى أن:" رحلة البوني تعتبر اليوم ضائعة؛ فلا ندري بالضبط ما كتب فيها(20).
كما يؤكد علي قيمة هذه الرحلة وأهميتها بقوله:"والذي لاشك فيه هو أن البوني قد حج وتجول في المشرق كما نعرف ذلك من مصادر أخرى. كما أ نه لم يكتف بذكر شيوخه المكيين والمدنيين,بل لابد أن يكون قد وصف فيها الحياة وأنماطها هناك كما شاهدها بنفسه(21). أما الرحلة الثانية التي يشير إليها صاحبنا فهي للرحالة عبد الرزاق بن حماد وش و المسماة\'لسان المقال في النبأ عن النسب والحسب والآل والمكونة من عدة أجزاء ؛ الجزاء الحجازي منها مفقود(22).
فيما يخص رحلة ابن عمار يري سعد الله أن صاحبها قسمها :" إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول جعل عنوانه مقدمة ويبدو أنه كان يريد أن يجعل من هذا القسم خزانة أدب يجمع فيها النوادر ... ومهما يكن الآمر فان القسم الثاني الذي سماه الغرض المقصود والقسم الثالث الذي سماه "خاتمة" مفقودان الآن(23).
أطلق ابن عمار على رحلته اسم نحلة اللبيب في أخبار الرحلة إلى الحبيب. وتعد رحلة أبي رأس الناصري المسماة بأكثر من اسم منها عدتي ونحلتي في تعداد رحلتي؛ وفتح الإله ومنته في التحدث بفضل ربي ؛رابع رحلة نثرية يهتم بها سعد الله.حيث يذهب إلى القول أن صاحبها قسمها إلى:" خمسة أبواب؛ فتحدث في الباب الأول عن ابتداء أمره كما قال؛ ويعني به طفولته وشبابه؛ وتعلمه وتدربه,وزواجه وأهله ويعنينا منه هنا حديثه فيه عن حاجاته ؛وفي الباب الثاني عدد شيوخه سواء في الجزائر وبلدان المغرب العربي الأخرى أو المشرق ؛ بما في ذلك شيوخه في الحجاز.
وقد خصص الباب الثالث للحديث عن رحلته إلى المشرق وغيره؛ وتناول الباب الرابع أجوبة على مسائل عرضت عليه أوردت إليه من مختلف البلدان ؛ أما الباب الأخير فقد خصصه للحديث عن تأليفه"(24)
إلا أن الرحلة الحجازية التي كثير ا ما استوقفت الباحثين الجزائريين والأجانب عندها؛ وأفردوا لها و لصاحبها الدراسات المختلفة والمتعددة مثل رحلة الورتلاني ؛ هذا الأخير كما يري سعد الله:"أسهم ...بعمل كبير في التاريخ"(25)؛ كما تمتاز هذه الرحلة بكونها:" الوحيدة المطبوعة في شكلها الكامل... ومنها أيضا أنها الوحيدة فيما وصل إلينا؛ التي تتحدث بإسهاب عن أحوال الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر الميلادي"(26).
بصورة عامة توصف هذه الرحلة بكونها:" موسوعة أخبار عن جزء كبير من العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر (18م) ؛ فهي من المراجع التي لا غنى عنها في هذا المجال "(27).
ب-الرحلة العلمية:
يعد هذا النوع من الرحلات من أهمها وأقدمها, والحقيقة أننا لا نجد صعوبة كبيرة في تعريفها فهي رحلة يقوم بها صاحبها لطلب العلم, ويصف فيها الحياة العلمية بصورة خاصة؛ وقد تحدث سعد الله كثيرا عن الرحلات العلمية لرحالة جزائريين , كما وصف رحلاته العلمية المختلفة الخاصة إلى العديد من المناطق في كتب بصورة عامة وفي كتابه تجارب في الأدب والرحلة بشكل خاص ؛ فإذا عدنا للحديث عن النوع الأول ، ونقصد بذلك رحالات غيره العلمية نجده يذكر العديد من الرحلات التي قام بها علماء الجزائر كما هو الحال بالنسبة لرحلة بن حمادوش التي:" قام بها المؤلف لطلب العلم والتجارة من مدينة الجزائر إلى تطوان ومكناس وفاس ثم عاد إلى الجزائر من تطوان. وقد وصف ابن حماد وش الحياة العلمية وجوانب من الحياة السياسية والاقتصادية في المغرب "(28). وتمتاز هذه الرحلة بكونها مصدرا هاما عن المغرب في هذه الفترة التاريخية ؛ وتعود هذه الأهمية للنصوص التي احتوتها من جهة؛ والمشاهدات العينية للاماكن والأحداث التي صادفها. وعلاوة على هذه الرحلة يشير سعد الله إلى آن هناك العديد من الرحلات العلمية الجزائرية الأخرى .
د-الرحلة الاستكشافية:
الحقيقة أن أبا لقاسم سعد الله لم يستخدم هذا المصطلح, و إنما استخلصناه من خلال دراستنا للعديد من الرحلات التي أوردها في الجزء السابع من تاريخ الجزائر الثقافي ؛ أثناء حديثه عن رحلات الجزائريين الاستعمارية؛ صحيح أن الجزائر لم تكن في يوم من الأيام دولة استعمارية؛ إلا الجزائريين كان البعض منهم رعايا لدولة استعمارية هي فرنسا وهو ما نقصده في حديثنا هنا .
فقد قام العديد منهم وبطلب في أحيان كثيرة من السلطات الفرنسية برحلات للعديد من الأماكن التي لم تخضع بعد في تلك الفترة لفرنسا بغية استقصاء أخبارها ؛ والبحث عن نقاط قوتها وضعفها لنقلها للفرنسيين بقصد الاستفادة منها في عمليات الغزو المقبلة, وبهذا فان هذا النوع من الرحلات كانت للاستكشاف و الجوسسة.


الأديب المؤرخ أبو القاسم سعدالله.






6 - رحلات سعد الله الخاصة:
لم يكن سعد الله مؤرخا لأدب الرحلة و الرحالة الجزائريين فحسب بل كان هو الآخر رحالة وأديب حيث يلاحظ الباحث في حياته وأعماله ،أن له العديد من الرحلات داخل الوطن و خارجه ، وقفنا على بعضها مدونا و منشورا في كتابه : تجارب في الأدب و الرحلة الذي نشرته المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائرية سنة 1983م .
يقول سعد الله في مقدمته التي كتبها في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1979م :" يضم هذا الكتاب مجموعة من التجارب في الأدب والنقد والقصة و الشعر و أراء في الحركة الأدبية في الجزائر والمغرب العربي على العموم . كما يضم أخبار رحلتي إلى المغرب وإلى الجزيرة العربية ، بالإضافة إلى رحلة أحد الأمراء الألمان إلى عنابة مترجمة إلى الإنجليزية " (30) .
يحوي هذا الكتاب إضافة إلى ما سبق رحلة داخل الوطن أطلق عليها اسم زيارة لخنقة سيدي ناجي: " قام بها في 8 فبراير 1980م ، حيث نجده يصف أسباب الرحلة حيث يقول أن ذلك يعود إلى رغبته في ربط حاضر هذه البلدة بماضيها بعد أن كان قد قرأ عنها ما كتبه الرحالة والدارسون قبل الفرنسيين."(31) .

*****

7- منهج سعد الله:
تمتاز كتابات الأستاذ أبي القاسم سعد الله التي تحلل الرحلات بأنها كتابات علمية دقيقة ،وهذا ما جعل الروح العلمية التحليلية السمة الغالبة عليها, كما يلاحظ الباحث فيها أن صاحبها يهتم في العديد من الأحيان بعرض ما يرد من أحداث وأراء دون أن يكلف نفسه التعليق على كثير من الأحكام الواردة فيها؛ أو يتخذ منها موقفا صريحا ؛ ويبدو أن هذا يعود إلى المنهج الذي يستعين به الأستاذ؛ حيث يترك الباحث في أعماله والقارئ لكتاباته يستنتج بنفسه ما يمكن استخلاصه .
إذا أردنا التدليل على ما نقول يمكنا أن نعود إلى الجزء السابع من موسوعته المسماة تاريخ الجزائر الثقافي ؛ وبالخصوص إلى حديثه عن رحلة القائد بن الشريف الذي يوصف فيها الحكومة الفرنسية بأنها الحكومة المثالية التي تحدث القرآن عنها.
حيث يقول معلقا بصورة غير مباشرة عن الرحلة نفسها وعن الرحالة:" ويبدو أن الرحلة تخدم المصالح الفرنسية؛ أو على الأقل تسير في الاتجاه الرسمي للحكومة العامة في الجزائر؛ فإلي جانب نقد أوضاع الحجاج في الحجاز .... ومن جهة أخري فان الذي قدم الكتاب للقراء هو الحاكم العام شارل جينورً وهنا يمكن للمتتبع أن يستنتج دونما صعوبة أن هذا الرحالة عميل من عملاء الاستعمار الفرنسي؛وهذا دون آن يصرح سعد الله بذلك. علاوة على ما سبق فيمكن أن نلاحظ على منهج صاحبنا في حديثه عن الرحلة والرحالة الجزائريين الترابط والتسلسل في الأفكار والنصوص والتحليل.

فيما يتعلق بالشواهد التي يورد ذكرها فمتنوعة وعديدة ؛ مما يقود إلى دقة
الأحكام التي يصدرها؛ أو تنتج نتيجة الاستعانة بها مبررة ومنطقية ومقبولة في كثير من الأحيان. كما تمتاز كتابات سعد الله بعدم الاكتفاء بعملية السرد التاريخي للرحلات مع في هذا من الأهمية؛ و إنما تتعدى ذلك إلى وصف الظروف الاجتماعية وحتى السياسية والأسرية والاقتصادية للرحالة.






*****


المصادر والمراجع:
1-عبد الله حمادى : أصوات من الأدب الجزائري الحديث, دار البعث قسنطينة الجزائر؛ سنة 2001 ص.
2-كرستن نيبور: رحلة إلى مصر(1761-1762)؛ترجمة مصطفى ماهر, دار الكتاب ؛ القاهرة؛
سنة 1977 ؛ص7,8.
3-أنظر أبو القاسم سعد الله : تاريخ الجزائر الثقافي, المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر جزء2؛
ص396 وما بعدها.وأنظر أيضا الجزء السابع الذي نشرته دار الغرب الإسلامي , بيروت , ص وما بعدها.
4- أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي؛ الجزء الثاني .
5- المرجع نفسه: ص396.
6-مصطفى ماهر : هذه الرحلة ...وهذا الرحالة , مقدمة ترجمته لكتاب رحلة إلى مصر, ص10.
7 -الماوردي: الحكام السلطانية, دار الكتب العلمية؛بيروت؛ص 199.
8-حديث شريف.
9-مولاي بالحميسي: الجزائر من خلال رحلات الرحالة المغاربة في العهد العثماني؛ ص12.
10-أبو القاسم سعد الله : أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر, الشركة الوطنية الجزائر1982 القسم الأول,ص351.
11-أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي, الجزء الثاني وص401.
12-المرجع نفسه,ص402.
13-المرجع نفسه,ص403.
14-حسين نصار: أدب الرحلة,ص103.
15-أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي, الجزء الثاني وص404.
16-أبو القاسم سعد الله : أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر, ص355.
17-المرجع نفسه ,ص335.
18-أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي, الجزء الثاني وص404.
19-أبو القاسم سعد الله : أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر, ص356.
20-المرجع نفسه ؛ص356؛انظر المرجع السابق,ص405.
21-المرجع نفسه ؛ص358.
22-المرجع نفسه؛ص360..
23-أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي؛ الجزء الثاني ؛ص407.
24-أبو القاسم سعد الله : أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر, ص361.
25-أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي؛ الجزء الثاني ؛ ص412.555
26-المرجع نفسه؛ص398؛399.
27-أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي, الجزء السابع: ص أنظر الرحلة 4.
29- أبو القاسم سعد الله : تجارب في الأدب و الرحلة ، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر سنة 1983 م ص 7.
29- المصدر نفسه ص257. [/align][/size]



*****[align=center]

اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة

Please تسجيل الدخول or إنشاء حساب.. to join the conversation.

More
قبل 15 سنوات 3 شهور #4413 by samionml1
شكرا للاخت كارينا على هذا الاهتمام بالمفكرين الجزائريين و نرجو أن تكون هذه البداية للمساهمة بالتعريف و نشر أعمال و ابحاث مفكرين آخرين أرجو فقط أن تغيري في الخط حتى تسهل القراءة

Please تسجيل الدخول or إنشاء حساب.. to join the conversation.

  • تجويد
  • Topic Author
  • Offline
  • مشرف سابق
  • مشرف سابق
More
قبل 15 سنوات 3 شهور #4415 by تجويد
[size=150:1njijykp][align=center]السلام عليكم ورحمة الله
البارحة كنت استعمل متصفحا لم يسمح لي بتغيير الخط[/align][/size]

اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة

Please تسجيل الدخول or إنشاء حساب.. to join the conversation.

  • تجويد
  • Topic Author
  • Offline
  • مشرف سابق
  • مشرف سابق
More
قبل 15 سنوات 3 شهور #4420 by تجويد
[align=center][size=150:ia6zi88j][align=center]الديني والسياسي في الفلسفة الحديثة
موسى معيرش

ليس من الصعوبة تحديد المقصود بالفلسفة الغربية الحديثة، فهي الفلسفة التي يكاد نجد حولها الإجماع في مجالات عدة، فهي في البداية فلسفة لا تشكيك في كونها كذلك، نتيجة لتمتعها بكل ما من شأنها أن يجعلها فلسفة، ومن جهة ثانية فإن المعلومات المتوفرة حولها وافرة، أضف إلى ذلك أن لا مجال للتشكيك في وجود فلاسفتها،أو حتى في نسب أعمالهم إليهم، رغم أن هناك من يشكك في مصدرية هذه الأعمال أو الأفكار. من هنا نستطيع القول أن المقصود بالفلسفة الغربية الحديثة، هي تلك الفلسفة التي ظهرت في أوروبا الغربية عقب العصور الوسطى ، و رافقت عصر النهضة الأوروبية أولا، والثورة الصناعية فيما بعد، وتميزت في عموميتها بصراعها الطويل مع الكنيسة المسيحية ، سواء أكانت كاثوليكية كما هو الحال في إيطاليا وفرنـسا وغيرهما، أو بروتستـنتية كما هو الحال بالنسبة لألمانـية و بريـطانيـا و غيرهما.
1ـ 1 ظهور التصور الجديد في أوروبا:
وقد مهدت المواقف التقليدية التى كانت قريبة من الموقف الكنسي لمواقف جديدة كانت للفكر الفلسفي اقرب فإذا تتبعنا تاريخ العلمانية في الفلسفة السياسية الغربية نجدها قد مرت بعدة مراحل يمكننا اختصارها في ثلاث.
المرحلة الأولى تميزت بمناهضة المسيحية, كما هو الحال بالنسبة لماكيافيلي (1469-1527م) بينما تميزت المرحلة الثانية بالدعوة إلى سيادة الدولة, كما هو الحال بالنسبة لهوبز(1588-1659م) في حين اتسمت المرحلة الأخيرة بالدعوة إلى جعل الدين في خدمة الدولة, كما دعا إلى ذلك روسو (1712-1778 م) وفيما يلي تفصيلا لما ذكرناه مجملا:
1ـ2 مناهضة المسيحية عند ماكيافيلي:
اذا عدنا الى نيكولا ماكيافللي نجده يقترح على الامير الراغب في اقامة دولة موحدة قوية ان يتخلى عن الاخلاق المسيحية التي قادت الى سقوط روما على يد قبائل القوط الغربية فضلا عن ابقائها على ايطاليا ممزقة ويؤكد ماكيافللي على ان سقوط روما لا يعد امرا عارضا وانما يعود الى اسباب ذاتية تتصف بها المسيحية تجعل امر سقوط الدولة وزوالها امرا طبيعيا.
واما عن هذه الاسباب فيرى ماكيافللي انها تنحصر في كون المسيحية ترجع غاية الانسان الى الآخرة خلافا لهدف الدولة وغايتها التي ترجع غاية الانسان الى تعمير الارض وهذا ما يتماشى والاخلاق الرومانية الوثنية القديمة كما ان المسيحية تتميز بتمجيد التواضع والنزاهة وتفضيل الحياة الباطنية عن الحياة العملية الظاهرة مما يجعلها توهن عزيمة الانسان وبالتلي تسلم قيادة الدنيا لاهل الجراة والعنف خلافا للديانة الوثنية الرومانية التي تخلع على القادة هيبة الهية تجعلهم محل تقديس وخوف من مواطنيهم .
ولهذا نجد ما كيافللي ينصح الامير اذا كان لابد أن يختار بين أن يكون محبوبا لدى رعيته او يكون مهابا .ان لا يتردد في ان يكون مهابا بطريقة يتجنب فيها الكراهية لشخصه ويؤكد ماكيافللي هذا بقوله: "فان من الافضل ان يخافوك على ان يحبوك هذا اذا توجب عليك الاختيار بينهما ) واما عن السباب التي جعلت الكنيسة المسيحية تحافظ على تمزيق ايطاليا فيجمعها ماكيافللي في عدم قدرة الكنيسة على توحيد ايطاليا من جهة ومنعها لكل محاولة لتوحيدها من جهة اخرى حفاضا على مصالحها وهذا ما دفع الايطاليين حسب ماكيافللي لعدم احترام السلطة الزمنية التي يتمتع بها البابا .
ويؤكد ماكيافللي فضلا على ذلك :"أن ايطاليا قد خسرت بتاثير المثل السيئ الذي يقدمه بلاط روما كل اجلال للدين وقد نجم عن هذا الواقع عدد لا يحصى من المتاعب والفتن ".
ونتيجة لذلك اصبح الايطاليون ملحدين وغير مستقيمين ولهذه الاسباب يعتقد ماكيافللي انه لابد من استبعاد الاخلاق عن السياسة وحصر الدين في مجاله الخاص به المتمثل في علاقة الانسان بمعبوده وبهذا تتشكل الاخلاق والدين وفقا للسياسة وليس العكس . وهذا ما كانت روما القديمة تؤكد عليه .
وبهذا حاول ماكيافللي ابعاد المسيحية عن الدولة لكن هذا لم يتم فعليا مما دفع هوبز الى مواصلة نهج سلفه.
1- 3 سيادة الدولة عند توماس هوبز:
ان الدارس لحياة هوبز وفلسفته يستخلص ان الصراع بينه وبين رجال الدين المسيحي بدا مبكرا وخاصة بعد اصدار توماس هوبز لكتابه (مبادئ القوانين) سنة 1650م والذي دافع فيه عن النزعة المطلقة في الحكم بما يتعارض و روح الدين مما دفع الكنيسة تتخذ منه موقفا معارضا وصل الى حد منع الكتاب من التداول و قد برزت نزعة هوبز الالحادية بالخصوص في كتابه (في الجسم) الذي هاجم فيه رجال الدين المسيحي واصفا اياهم بالدجل .
واما في كتابه (التنين او الوحش الكاسر) الذي صدر عام 1652م فقد اعتبر الدين مجرد اكاذيب و تضليل اخترعتها البشرية نتيجة لخوفها من القوى الشريرة و جهلها بالعدل وهذا ما دفعها الى عبادة ما تخشاه وتهابه مما دفع المشرعين القدماء في الامم الوثنية الى استغلال ذلك و جعلوا تعاليمهم صادرة عن الله.رغبة في استغلال الدين لتحقيق رغباتهم الخاصة.وقد اكد ماكيافللي هذه الرغبة عندما اشار الى استخدام الرومان (الدين في اصلاح احوال مدينتهم وفي المضيء في حروبهم)"
واما عن مصير الدين فيؤكد هوبز على انه سينتهي الى الزوال، اذ تأكد للناس بأن مؤسسي الاديان وزعمائها لا يتمتعون بالحكمة والاخلاص ، والى قريب من هذا ذهب ماكيافللي من فبل عندماقال: " عندما شرع العرافون من قول ما يسر الاقوياء فحسب ، وعندما اكتشف الشعب هذا التضليل ، أخذ يشك في حقيقتهم"
ومما سبق نستخلص هوبز ضرورة عزل الدين ورجاله من التدخل في سلطة الدولة حفاظا على سيادتها ولتوحيد السلطات لابد من خضوع الكنيسة للدولة على اعتبار أنه لا وجود لسلطة دينية التي ليست الا بدعة اختلقها الخيال.
1-4 الدين في خدمة الدولة عند روسو:
أما عن روسو فيعتبر أن البشرية في تاريخها الطويل لم تخلو في عصر من من عصورها من اتباع دين معين ، لان اثره لا يقتصر على الافراد بل انه يتعدى الى الجماعات وحتى الى الدولة ، وهذا ما جعل من السلطة في البدايات الاولى للبشرية تحت سيطرة ملوك الهة ، ولهذا كانت الحكومات السائدة دينية وكانت السلطة السياسية مرتبطة بالسلطة الدينية، ولم يكن فصل بين السلطتين روحيو ومدنية، لكن انقسام السلطتين في المسيحية ادى الى النزاع و الاضطراب الدائم، وبالتالي جعل اية سياسة صالحة " مستحيلة في الدول المسيحية، ولم يصل الناس الى معرفة من يحب ان يلتزموا بطاعته، السيد، ام القسيس".
لكن هذا كما يرى روسو، يخالف الدين الاسلامي ، الذي يتميز بالجمع بين السلطتين السياسية والروحية ولا سيما زمن الرسول "ص" الذي اقام نظاما سياسيا استمر بعد وفاته على يد خلفائه.
ومعنى هذا ان روسو يرغب في اقامة نظام مختلف عن الديانات المعروفة ، وهذا الدين الذي يتحدث عنه يسميه بالدين المدني ،تؤمن به الدولة لكن ما يميز هذا الدين عن غيرو كون الهه قادرا وذكيا ، محسنا بصيرا مديرا فضلا ، عن الايمان باليوم الاخر ،لكن هذا الدين لا يجبر احدا على الاعتقاد به ، بل انه يدعو إلى التسامح وعدم إكراه الغير على الإيمان به ، ومعنى هذا انه يحق لكل فرد اختيار الدين الذي يناسبه ويحبب إليه وجباته لكن هذا لا يهم الدولة إلا بمقدار ارتباط أخلاقه" بالواجبات الاجتماعية المترتبة على معتنقيها تجاه الآخرين".
وأما عن عقائد هذا الدين ، فهي بسيطة وقليلة العدد، ومحددة بدقة ، مما جعلها دون حاجة إلى تفسير أو تعليق من احد، ويبدو هنا أن روسو يريد دين غير المسيحية، التي يعتبرها ديانة الأميين التي تخالف الفطرة البشرية، أنها ديانة تجعل تعقيدات مختلفة يفسرها الكهنة حسب رغباتهم دون السماح لأحد بتفسير أو فهم.
ونعود لدولة روسو فهي لا تهتم بمصير رعاياها في العالم الآخر ، وإنما عليها فقط الاهتمام بالكيفية التي تجعلهم رعايا صالحين في هذا العالم ، وهذا حفاظا على جعل هذه العقيدة مدنية خالصة باعتبارها ديانة طبيعية ، وليست سماوية صادرة عن الوحي.
وبهذا نصل إلى أن الدين في دولة روسو خادم للسياسة, بالأحرى هو وسيلة تستخدمها الدولة لزيادة قوتها وتحقيق الرفاهية لمواطنيها .
-2 فلسفة التاريخ الحديثة:
لا يعد القضاء على الدولة التيوقراطية الكنيسية هدفا وحيدا تسعى الفلسفة الحديثة إلى تحقيقه، وإنما تهدف فضلا على ذلك إلى تصفية إرث الماضي العلمي ، والقضاء على النظام اللاهوتي واستبداله بنظام علمي ، وفلسفي جديد ، يقوم على معايير جديدة. ، متمثلة في فلسفة التاريخ عند هيجل (1770-1830م) وماركس (1818-1883م) ، وفي نظرية داروين (1809-1882م) في البيولوجيا فما حقيقة هذه الفلسفات ؟ هذا ماسنتحدث عنه فيما يلي:
1-4 فلسفة التاريخ عند هيجل:
إذا أردنا أن نعرف الأسس التي يتألف منها مذهب هيجل الفلسفي فإننا نجدها كما يقول عبد الرحمن بدوي ، لا تخرج عن "ثلاث معان رئيسية : الفكرة ، الطبيعة، الروح ، وهذه المعان الثلاث ترجع إلى معنى واحد هو الفكرة ، فالفكر هو المنطق ".
أما هذه الأخير فإن له ثلاث مراحل متتابعة في فترات زمنية مختلفة هي : الوضع (الإثبات) ، الرفع (النفي) ،وأخيرا المركب ، ويؤكد المودودي أن هيجل يرى "أن ما يحصل في الحضارة الإنسانية ، من تطور وارتقاء إنما يحصل بظهور الأضداد وتناطحها وتمازجها وأن كل دور من أدوار التاريخ في حد ذاته وحدة أو كائن جسدي حي ".
وبهذا فكل النظريات الإنسانية المختلفة من نظريات اقتصادية و سياسية وعقلية وخلقية ودينية تتلاءم والعصر الذي برزت فيه روح الدور الزمني بكامله .
4 -2 فلسفة التاريخ عند ماركس :
أما الفلسفة الماركسية فقد استمدت من الهيجلية منهجها الجدلي لكن بعد أن فصلت عنها: " تصور الروح أو الفكر الذي كان جوهر فلسفة هيجل". وجعلت بدلا من ذلك العامل الاقتصادي المادي المحرك للعملية التاريخية ، واعتبرت الدين والفلسفة والعلوم والفنون وبالجملة سائر الأفكار والتصورات الإنسانية لا تتشكل إلا بتأثير هذا النظام الاقتصادي ".
وبلغة الماركسية فإن البنية التحتية الممثلة في الجوانب المادية الاقتصادية التي يعبر عنها الأستاذ مالك بن نبي ((1905-1973م بعالم الأشياء هي التي توجه البنية الفوقية المتمثلة في الإيديولوجيا أو ما يعبر عنه بعالم الأفكار .
وطبقا لهذه التصورات فإن القوة الرئيسية التي تقضي على هذا التغيير في الأمور البشرية ليست: " الفكرة الهيجلية ولكن الظروف المادية للحياة ، فليس الوعي عند الإنسان هو الذي يشكل الظروف المادية للحياة ، وإنما الظروف المادية للحياة هي التي تشكل وعيهم ، ولهذا فإن التاريخ البشري يقوم على شيء مادي ".
وبهذا ليس هناك دور لمبادئ الدين والأخلاق ، وعلى الإنسان إتباع مصالحه الذاتية ، وما تدعو إليه أهدافه الاقتصادية ، وهذا ما يعرف بالمادية التاريخية ، التي تجعل من تاريخ البشرية عبارة عن صراع بين الشعوب أو بين أصحاب الملكية الفردية وبين المعدمين ، كما يعتبر أن الملكية الفردية هي منبع كل الشرور الموجودة مما يجعل القضاء عليها أمرا ضروريا. ونتيجة لهذا التصور فقد اعتبر ماركس أن البشرية مرت بخمسة أشكال اقتصادية هي :
1. المرحلة المشاعية البدائية .
.2 مرحلة الرقيق .
3. المرحلة الإقطاعية .
4. مرحلة المجتمع الرأسمالي .
5. مرحلة المجتمع الاشتراكي .
وترى هذه الفلسفة أن كل مرحلة تحمل في طياتها بذور فنائها ، وأن البشرية ما دامت قد بدأت تاريخيا بالمجتمع الشيوعي فإنها وفقا لقانون الجدل ستعود إلى المرحلة التي انطلقت منها ، لأن التاريخ يكرر نفسه .
3-4 نظرية النشوء والارتقاء عند تشارلز داروين:
هذا في مجال الفلسفة أما في مجال العلوم الطبيعية ،فقد وقعت تحت سيطرة الدارونية التي ترى بأن :"الكائنات الحية في تطور دائم على أساس من الانتخاب الطبيعي بقاء الأصلح فتنشأ الأنواع من بعضها البعض ولا سيما النوع الإنساني الذي انحدر من أنواع حيوانية". بمعنى أن أصل الأنواع الحالية يمكن أن يفسر بأصل واحد أو ببضعة أصول نمت وتكاثرت وتنوعت في زمن مديد بمقتضاه قانون الانتخاب الطبيعي أو بقاء الأصلح .
وهذه النظرية في الواقع تنسب إلى تشارلز داروين الذي استخلصها من خلال مشاهدته المختلفة والتي دامت أكثر من خمس سنوات والاستعانة بكتاب مالتوس (1766-1834م) عن السكان الذي يتحدث فيه عن الزيادة الهندسية للبشر في حين أن الغذاء لا يتزايد إلا وفق زيادة عددية مما نجم عنه قلة الغذاء وتزايد في الأفواه التي تتغذى.
مما يدفع إلى التناحر والتقاتل للحصول على الغذاء لمواصلة الحياة ، رغم أن هذه النظرية مجرد فرضية علمية لم تقدم لحد الساعة الأدلة التي تجعل منها حقيقة علمية ثابة، وبالتالي فانها وفقا لهذا التصور لا ترتقي الى مستوى العلم اليقيني لكونها قائمة على مجرد القياس والتخمين اللذان لا يفيدان في العلم شيئا.
وفضلا على ذلك فإنها تقود إلى الحروب والفتن والقضاء على الإنسان و إنسانيته ، وتجعل منه مجرد حيوان لا يختلف عن غيره من الحيوانات .
وبهذا فأن البشر وفقا لهذه النظرية لا يتعاملون إلا كما تتعامل الوحوش في الغابة. ولا بد من أن يقوم الإنسان باستخلاص القوانين والمبادئ لحياته لا من مصدر من المصادر السامية ، وإنما نجده يبحث عنها في حياة الوحش والبهائم.
كما أن هذه الفرضية تبرز الظلم وتجعله حقا مشروعا ، حتى أن :" هذه الفلسفة هي التي جعلت في أيدي رجال أوروبا حجة قوية سوغت لهم كل ما أذاقوا أمم الأرض المستضعفة من ضرورة الظلم والعدوان ". وهكذا استأصلوا سكان أمريكا الأصليين ، وسكان أستراليا وإفريقيا . باختصار فإن هذه النظرية التي نشأت في أحضان المادية- حولت الإنسان إلى مجرد ذئب مفترس لأخيه الإنسان في جميع مجالات الحياة من سياسية واجتماعية واقتصادية وحتى عسكرية وأخلاقية .
وهكذا نستخلص أن العلمانية في جوهرها تقوم على الفصل بين الدين والدولة ، وهذا الفصل تنظر إليه على أنه شرط أساسي للقضاء على الاستبداد ، فضلا على تحرير العقل من كل خرافة وإطلاق الروح العلمية والإبداعية. وهي بهذا تحاول إقامة الحياة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية على أساس عقلي مجرد من رواسب الدين وقائم على أسس ووقائع مادية بحتة. وبهذا فالعقل عليه أن يتحرر من الرواسب العاطفية والأفكار المسبقة التي تغذي فيه: " اتجاهات الاستعلاء والانغلاق والطبعة والعنصرية ". وبالتالي فإن العقيدة وجميع نشاطات الحياة الروحية يقتصر على نطاق الفرد دون أن تكون لها علاقة بالمجتمع والدولة .
فالعلمانية التي هي نتاج صراع بين رجال الكنيسة وفلاسفة وعلماء عصر النهضة أصبحت لها الغلبة في أوروبا ، مما جعلها تنزع القدسية عن نشاط وممارسة الدولة والحكام وإخضاعها للمناقشة في مجال الفلسفة السياسية ، وأما في مجال عالم الأفكار فقد قضت على الفلسفة اللاهوتية المدرسية التي كانت قائمة عليها الكنيسة الكاثولوكية .
5- أثر التصور الجديد في الفكر العربي:
يذهب أغلب الباحثين في فلسفة الإسلام السياسية إلى القول بأن فكرة التمييز بين الدين والدولة لم تظهر في الإسلام الا مع سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك في مارس 1924م بعد أن مهد لذلك بفصل الدين عن السياسة في غرة نوفمبر 1922م بقوله: "مقام الخلافة محفوظ وبجانبه مقام السيادة الوطنية ، أي الجمعية الوطنية التركية الكبرى ، ولاشك أن هذين المقامين يقفان جنبا إلى جنب وقفة أسمى من وقفة الخلافة العاجزة الضعيفة" .
وطبقا لهذا أصدرت الجمعية الوطنية التركية قرار يفوضها حق تمثيل الشعب التركي و حاكميته . وبهذا فرقت تركيا سياسيا بين نظام الحكم والاجتماع من جانب وبين الدين من جانب آخر ، واعتبرت أنه لا علاقة للدين بنظام الحياة والعمران والمملكة إطلاقا.
5 ـ1 علي عبد الرازق:
وقد واكب علي عبد الرزاق هذه النزعة الجديدة بإصداره كتابا بعنوان " الإسلام وأصول الحكم " يدعو فيه صراحة إلى فصل الدين عن الدولة .
غير أن المتتبع لهذه الأفكار يلاحظ أنها كانت نتيجة لتأثير الفلسفة العلمانية الحديثة الوافدة من أوروبا والتي أصبحت لها الغلبة الفعلية في العالم الإسلامي ، وهذا باعتراف أنصار هذا الموقف الجديد ، فنجد عبد الرزاق يشير صراحة إلى تأثير الفلسفة العلمانية الإستشراقية في كتاباته عندما ينصح كل من يطالع كتابه بضرورة الرجوع إلى أفكار توماس إرنولد الواردة في كتابه "الخلافة" الصادر عام 1924 م .
أي قبل سنة واحدة من صدور كتاب علي عبد الرزاق ، وهذا بقوله: " وإذا أردت مزيدا في هذا البحث فارجع إلى كتاب (الخلافة) للعلامة السير توماس إرنولد ، ففي الباب الثاني والثالث بيان ممتع ومقنع".
5 -2 طه حسين :
أما الدكتور طه حسين فيرى أنه لابد :" من أن نسير سيرة الأوروبيين ونسك مسالكهم لنكون لهم أنداد وشركاء في الحضارة خيرها شرها ، حلوها ومرها وما يحب منها وما يكره ، وما يحمد منها وما يعاب " .
ويؤكد هذا في موضع آخر من كتابه "مستقبل الثقافة في مصر "بقوله:" وأن نشعر الأوروبي بأننا نرى الأشياء كما يراها ، ونقوم الأشياء كما يقومها ، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها ".
وبعد أن أصبحت أوروبا المعاصرة تقول بضرورة الفصل بين الدين والدولة ، كان لا بد على هؤلاء أن يقولوا بذلك لأن أوروبا بالنسبة لهم هي القدرة وليس الإسلام وفلسفته.[/align][/size]
[/align]

اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة

Please تسجيل الدخول or إنشاء حساب.. to join the conversation.

  • تجويد
  • Topic Author
  • Offline
  • مشرف سابق
  • مشرف سابق
More
قبل 15 سنوات 2 شهور #4465 by تجويد
[size=200:3rf1vuss][align=center]جدل الديني والسياسي في الفلسفة المدرسية

ليس هناك شك فإن المقصود بالفلسفة المدرسية هي تلك الفلسفة التي كانت تدرس في المدارس الغربية في فترة العصور الوسطى في أوربا، إلا أن المثير للجدل أن هذه الفلسفة كانت ولا تزل مثار جدل حول طبيعتها وقيمتها،وإذا ما كانت فلسفة حقة أم مجرد دراسات لاهوتية.
يجد الدارس لما يعرف بالفلسفة المسيحية أن هناك مجموعة من المـميزات التي تمتاز بها هذه الفلسفة، رغم الاختلاف الكبير بين خصومها وأنصارها حولها وحول الموقف من الفترة التي ظهرت فيها ، ومع هذا يـمكننا أن نحدد هذه الميزات على النحو التالي:
ـ أنها فلسفة تكونت وتطورت وازدهرت وشغلت فترة طويلة من الزمان تجاوزت في أسوء التقديرات الثمانية قرون.
ـ أنها فلسفة توفيقية ، لكونها كانت تهتم دوما بالتوفيق بين الفلسفة اليونـانية في قراءتها الإسلامية وبين الديانة المسيحية، التي كانت تتعرض لانتقادات وهجمات مختلفة.
ـ هناك اختلاف بين المهتمين من الفلاسفة والباحثين بهذا النوع من الفلسفة في مسألة تصنيفها، فإذا كان البعض منهم يعتبرها لاهوتا فإن البعض الأخر يجعل منها فلسفة.
ـ يطلق عليها أحيانا اسم الفلسفة المسيحية نسبت إلى الديانة التي كانت تخدمها، وفي هذا يري هيجل أنها كانت في خدمة الكنيسة ولم تتحرر من سلطتها، وهو ما أشرنا إليه في المبحث الرابع من الفصل الأول.كما يطلق عليها في أحيان أخرى اسم الفلسفة المدرسية لكونها كانت تدرس في المدارس التي تشرف عليها الكنيسة ، بكونها المشرف الوحيد على شؤون التعليم والمعارف بمختلف مجالاتها في ذلك الزمان.
ـ وتبعا لما سبق فإن أغلب ممثليها كانوا من رجال الدين المسيحي، ولا نكاد نجد منهم من لم يكن مرتبطا بكنيسة من الكنائس، أو بمذهب من المذاهب الكنسية، بل أننا نجدهم يعتبرون أنفسهم من أبناء الكنيسة الذين لم يكن لهم من هدف إلا خدمة هذه الأخيرة ، والدفاع عن مواقفه، حتى وإن تعارضت هذه المواقف ليس مع قناعات غيرهم فحسب ، وإنما حتى وإن تعارضت مع قناعاتهم هم أنفسهم.
ـ رغم الطابع المسيحي الذي حاولت به هـذه الفلسفة أن تظهر به نـفسها إلا أن الحقيقة غير ذلك ، فقد ظلت أسيرة أفـلاطون فترة زمنية طويلة، كما هو الحال مع أوغسطين ومن تبعه، وعندما تحررت من أفلاطون ، وقعت تحت سطوة أفكار أرسطو كما هو الأمر مع توما الأكويني، كما تنقلت إليها أراء الفلاسفة المسلمين مثل الفارابي ، ابن سينا، الغزالي وبطبيعة الحال ابن رشد.
ـ رغم الطوق الذي فرضته الكنيسة على أتباعها ، إلا أن العديد من أصحاب الفكر عملوا على مقارعة هذا التسلط، والتحرر منه، متخذين من الرشدية اللاتينية سلاحا، ومن تأويلات الهلينية منهجا، محاولين الخروج عن الوجهة التي كانت الكنيسة ترسمها، بطرق مباشرة في بعض الأحيان، وبطرق غير مباشرة في أحيان أخرى.
1ـ الإنسان والدين:
إن الدارس لتاريخ الأمم يلاحظ عدم خلوا أي منها في القديم والحديث من ديانة تؤمن بها، كما أن هذه الأمم سواء منها تلك التي أقامت دولا قوية أو لم تقم- لم تختلف كثيرا في نظرتها للدين وعلاقتها بالدنيا ، رغم اختلاف الديانات التي تؤمن بها والآلهة التي تعتقد بها.
1ـ 1 الملك الكاهن:
فالملك أو الحاكم في مصر القديمة وبلاد فارس مثلا هو الإله والكاهن الأكبر على الجميع طاعته والخضوع له و عبادته،ومن هنا لم تخطر لرجال الدين كما يرى برهان غليون فكرة الثورة على الحاكم أو مجرد الاختلاف معه لان مهمتم تكمن في خدمة سيدهم وتبجيله و إضفاء القداسة على سلطته حتى انتهى الأمر إلى عبادته أو الخضوع الكامل له .
وكان الملوك هم الذين يغيرون طقوس العبادات و يشكلون مركزها ، كما يحددون الآلهة المعبودة و التي يعتبرون أنفسهم يمثلونها كما يقترحون آلهة جديدة أو يشجعون الإيمان بها لسبب أو لآخر.
لكن رغم هذا فان الدين في حد ذاته لم يتعد كونه بوجه عام - علاقة البشر بما يعتبرونه مقدسا و بالقوى فوق البشرية التي يعتقدون أنهم يخضعون لها ، ونشير هنا إلى أن الملوك كانوا يعتبرون من طينة غير طينة بشرية فهم إما أن يكونوا آلهة أو أنصاف آلهة اوابناء آلهة.
1ـ2 مكانة الانسان :
أما عن مكانة الإنسان ضمن هذا المفهوم فقد اختلفت وجهات نظر الوثنيين، إذ ذهب البعض منهم إلى اعتباره كائنا ضعيفا ، يتميز بالقذارة و الضعف أمام غيره من الكائنات ، وهذا ما جعله يعوض ذلك باللجوء إلى الوحشية التي سيطرت عليه فترة طويلة ، يصفهاالفيلسوف الانكليزي توماس هوبز بكونها حياة :" صراع وتدافع و عنف لا يؤمن فيها احد على نفسه ولا على ماله ولا هم له إلا أن يحافظ على ذاته ضد غارات الآخرين " بسب أنانية الإنسان ورغبته في السيطرة والتغلب و يؤكد المودودي انه نتيجة لسيطرة هذه الفكرة على الإنسان فان هذا الأخير لجاء إلى عبادة الأصنام و الأوثان والأنهار و الأشجار و النجوم وغيرها من مظاهر الطبيعة بدلا من أن يقوم بتسخيرها لخدمته.
وبهذا فان هذا المفهوم يحصر الدين في مجموعة من الطقوس تقدم لآلهة المتعددة الممثلة في الأصنام المصنوعة من الأحجار أو أخشاب وقد عرف هذا التصور أمم كثيرة كاليونان والفرس والعرب قبل الإسلام.
في حين ذهب فريق آخر من الوثنين إلى اعتبار وجود الإنسان في هذا العالم إنما هو لتلقي المصائب و الألم. وهذا ما دفع بالجانستية المنسوبة إلى معلمها مهافيرا ( 527-699ق،م) الى الدعوى إلى الزهد والتقشف والممارسة الرياضية الصعبة القاسية و المصاحبة للتأملات العميقة لان الحياة الدنيا لا تزيد عن كونها تعاسة مستمرة و شقاء متصل نعيمها زائد والعيش فيها باطل ، ومن الغريب أن هذه الديانة أو بالأحرى الفلسفة تدعو إلى عدم الاعتراف بالآلهة و هذا ما دفع إلى تسميتها بديانة الإلحاد والتعري لكونها تدعو إلى أن يعيش الإنسان متجردا من ثيابه أو مغادرة هذه الدنيا عن طريق الانتحار .
والى قريب من هذا ذهبت البوذية المنسوبة إلى الحكيم بوذا الهندي الكبير ( 563-483 ق،م) معتبرة أن :"حياة الإنسان في الدنيا شر و ألم و أن التخلص منها يتم بالإندماج في الوحدة الشاملة و هي النارفانا و سبيل ذلك الزهد و محاربة الرغبات و الشهوات" زيادة على قولها بتناسخ الأرواح و إنكار البعث و الحساب.
2 الانسان : المؤمن والمواطن
إذا نظرنا في تاريخ المسيحية فإننا نجد تميز الفترة التي شهدت ظهور هذه الديانة باضطهاد أنصار الدين الجديد ، بل أن المسيح عليه السلام شخصيا تعرض إلى اضطهاد كبير كمحاولة صلبه التي انتهت برفعه إلى السماء كما يذكر القرآن الكريم في قوله تعالى:"وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه".
وأما عن إتباعه فقد تعرضوا كما يقول محمود أبو زهرة: "إلى بلايا وكوارث جعلتهم يختفون بديانتهم ويفرون بها أحيانا ويصمدون للمضطهدين، مستشهدين أحيانا أخرى".غير أن هذه الوضعية لم تستمر طويلا وانقلبت الأوضاع بتولي قسطنطين عام 306م عرش الإمبراطورية الرومانية ، ثم اعتناقه المسيحية و اعترافه بها كديانة رسمية بعد أن ترك الوثنية ، بل انه أعلن فيما بعد أن المسيحية تمثل الديانة الرسمية الوحيدة للإمبراطورية الرومانية.
وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية التي دفعت الإمبراطور إلى تبني الدين الجديد ، والتخلي عن ديانة الآباء فان هذا الموقف الجديد في حد ذاته أثار مشكلات سياسية وعقائدية مختلفة جديدة لم تكن مطروحة من قبل كقضية الفصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية.
فإذا كانت المواقف الوثنية التقليدية كما رأينا- تذهب إلى تأليه الحاكم أو على الأقل جعله ممثلا للإرادة الإلهية ، وبالتالي فهو يمارس علاوة على السلطة السياسية ، السلطة الروحية،بصفته الرئيس الديني و الكاهن الأعلى في نفس الوقت، فان الدين الجديد يؤكد أن هناك إلا الها واحدا، وأن له ابنا وحيدا هو المسيح عيسى عليه السلام، وبالتالي فالحكام ليسوا أبناء آلهة فضلا على أن يكونوا آلهة ، و بهذا فهناك تعارض شكلي و جوهري في الظاهر بين المواقف الوثنية و المواقف المسيحية المختلفة.
و قبل أن يتمكن أباء الكنيسة من إزالة هذا التعارض و التناقض ، إذ بقبائل القوط الغربية تهاجم روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة وتسقطها عام 410م.
مما دفع بأنصار الوثنية إلى اتهام المسيحية بكونها مسؤولة عن هذا السقوط ، بل أن هذا الاتهام جاء حتى من قبل بعض المسيحيين أنفسهم، نتيجة لتهاون أتباع الدين الجديد في الدفاع عن روما، باعتبار هذه الاخيرة لاتمثل ملكوت الله الخالدة، وانما تمثل ملكوت الشيطان الزائلة والزائفة.
و نتيجة لكل ما سبق فقد حاول رجال الكنيسة الكاثوليكية إزالة هذا التعارض و التصدي للاتهامات الجديدة غير أن غياب مصادر مسيحية متفق عليها، من جهة وتناقض وتعارض ما هو موجود منها ، جعل علاقة الانسان باعتباره مواطنا في دولته وبين كونه مؤمنا منتميا الى كنيسته تمر بثلاث مراحل أساسية:
2ـ 1 نظرية السيفان:
تميزت هذه المرحلة بظهور نظرية السيفان التي تدافع عن الفصل بين السلطتين الزمنية و الروحية ، و تدعو إلى سيطرة الكنيسة على المسائل الروحية مما يجعل جميع المسيحيين ملزمين بطاعتها بما فيهم الإمبراطور باعتباره مؤمنا مسيحيا، وفي مقابل ذلك تخضع الكنيسة لسلطة الدولة فيما يتعلق بشؤون الأمن و الحياة الدنيوية ،لان ذلك من شأنه أن يساعد في الحصول على السلم الإلهي، كما يرى القديس أوغسطين(354-430م).
وبهذا أصبحت مجريات الأمور الدنيوية من اختصاص السلطة المدنية التي تقوم بالمحافظة على السلام و العدالة و النظام بواسطة ممثليها في حين تقوم الكنيسة برعاية شؤون الروح عن طريق رجالها، و التبشير بتعاليم المسيحية .
وبهذا فالعلاقة بين السلطتين تقوم على أساس أخلاقي قائم على روح التعاون و المساندة ، وإذا كان لابد من تدخل إحدى السلطتين في مجال الأخرى فيجب أن لا يكون بغرض القضاء على سيادة كل طرف و استقلاله بشؤونه و احترام حقوق الطرف الآخر التي أمر بها الله ، إذ أن المسيح آخر من جمع بين السلطتين ليأمر بعد ذلك بعدم الجمع بينهما وأن كل جمع عبارة عن تقليد وثني لا بد من القضاء عليه، انطلاقا من المقولة التي تنسب إلى السيد المسيح أحيانا و إلى القديس بولس أحيانا أخرى و القائلة :"أعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
وبهذا أصبح الأباطرة يحتاجون إلى الأساقفة من اجل الحياة الخالدة و الأساقفة يحتاجون إلى الانتفاع باللوائح الإمبراطورية لممارسة الأمور الدينية". وما يمكن استخلاصه أن هذه الفترة تفصل فصلا تاما شؤون الدنيا و شؤون الدين.
2- 2 سيادة الكنيسة و رفعتها:
غير أن ضعف الأباطرة من جهة ونمو الكنيسة من جانب آخر ونتيجة لانتشار المسيحية جعل التوازن الذي وضعه القديس اوغسطين من قبل يختل لصالح الكنيسة، مما دفع بالبابا غريغوري السابع ( 1073-1085) الى رفض سلطة الامبراطور عندما اعلن أن: "البابا هو صاحب السلطات الاكبر في الكنيسة كلها وهو وحده الذي يعين ويخلع الاساقفة ولا يملك أحد سلطة الغاء القرارات البابوية". لكون البابا يحكم بعون الارادة الالهية وقوة القانون السماوي.
وجاء الفيلسوف الانكليزي الكاثوليكي الوحيد يوحنا السالسبوري (1120-1180م) ليؤكد في كتابه" كتاب رجل الدولة" على رفعة سلطة الكنيسة وسيادتها باعتبارها صاحبة السيفين الروحي و المادي، واذا كانت الكنيسة تحتفظ بالسيف الروحي ، فانها تسلم السيف المادي الذي يمثل السلطة الزمنية- الى أمير ،أو ملك وهي نفس الوقت قادرة على سحب و استعادة هذا السيف اذا خرج الحاكم الذي عينته عن القانون الالهي، طبقا للقاعدة القائلة :"بأن من له الحق في المنح له الحق في النزع " وبالتالي فان للكنيسة الحق الكامل في السيطرة على الامبراطور الذي لا مفر له من الخضوع للكنيسة و رجالها.
واذا رفض ذلك يعرض نفسه للحرمان الكنيسي و العزل من السلطة ، ويصبح اتباعه في حل من بيعته بل وعليهم واجب قتاله لان من يستبد بالسيف لابد وأن يقتل به.
و هكذا فان هذه النظرية تجعل الحاكم تحت رعاية القوة الروحية المتمثلة في الكنيسة ، وهذا ما عرف بنظرية رفعة الكنيسة او بالاحرى وجهة نظر البابوية.
وقد حاول الامبراطور هنري الرابع (1056-1105م) الوقوف في وجه سلطة الكنيسة هذه، غير أن البابا غريغوري السابع اسرع الى اصدار قرار حرمان الامبراطور بوصفه مسيحيا وعزله بوصفه ملكا، مما جعل رعاياه غير ملزمين بطاعته و الاخلاص له ، الشيئ الذي جعل هنري الرابع عاجزا عن الوقوف في وجه سلطة الكنيسة مما دفعه الى طلب عطف البابا ،حيث جاء حافيا وقاطعا الاف الكليومترات ودخل على هذا الاخير ذليلا و في ثوب الرهبان المصنوعة من الصوف وهو يصيح: " اغفر لي ايها الاب المقدس ، فغفر له البابا بعد ان فرض عليه شروطا قاسية وزوده بالنصح والارشاد". وهكذا فشلت كل محاولة للتحرر من سلطة الكنيسة في تلك الفترة.
2- 3 سيادة و استقلال السلطة الزمنية:
غير أن انتشار الروح القومية من جانب ، واتصال الغرب بالحضارة الإسلامية في صقلية و الاندلس وعن طريق الحروب الصليبية وفساد البابوات و التعسف في استخدام السلطات من جانب ثان،اظهر نزعة جديدة وتحررية لدى رجال السياسة في اوروبا ولدى مفكريها ،تحاول ابعاد الدين عن توجيه السياسة.
فعاد رجال الفكر الى القانون الروماني الذي يدعو إلى تركيز السلطة القانونية في الإمبراطور لكون القوانين صادرة من الإمبراطور الذي يمثل ارادة الشعب ولا ينبع من إرادة الكنيسة ، وقد حمل هذه الفكرة ودافع عنها ملك فرنسا فيليب الجميل (1314م) في صراعه مع البابا بونيفاس الثامن (1303م) كما دافع عن سلطة الدولة و استقلالها و سيادتها كثير من المفكرين اشهرهم مارسيلوا البادوي ( 1275-1343).ويليام الاوكامي ( 1295-1350).
فاذا أخذنا كتاب مارسيليو " المدافع عن السلام" الذي صدر عام 1324م فاننا نجده يتحدث عن وظيفة الدولة التي تتمثل في الاشراف على الدين و رجاله، كما تشرف على الزراعة و التجارة ،بل ان الدولة عليها معاملة الكنيسة معاملة لا تختلف عما تعامل به بقية الاديان الاخرى ، لانه لا يمكن اقامة: "الدليل العقلي على الحق الذي تدعو اليه المسيحية".
وجعل دور رجال الدين لا تخرج عن ثلاثة امور و هي :
1- ادارة شؤون الكنيسة وذلك بصرف اموال الكنيسة في اعمال الخير و باشراف الدولة.
2- تثقيف الناس ولكن هذا لا يتم الا باذن من السلطة السياسية وليس للكنيسة حق الارغام الديني او الزمني على رجال الدين او على العلمانيين بل:" ليس للكنيسة سلطان على الهراقطة لان الله وحده هوالذي له حق الحكم على الخطيئة و الخطائين ، لكن السلطة الزمنية حق محاسبتهم على ما جنته ايديهم ان اصابت المصالح العامة كما انها تختص دون غيرها بتنظيم الاديرة و الرهبان و القساوسة".
3- الإشراف على تأدية طقوس العبادة المختلفة.
اما عن سلطة البابا فتعود اما للتعيين او الانتخاب، ولا توجد اشارة للبابوية في الكتاب المقدس وبالتالي فلا فضل لهؤلاء على غيرهم الا بالتقوى و العمل الصالح ، ويبدو أن هذه من اثار الفكر الاسلامي الذي كان منتشرا في جامعة بادوقا الايطالية، التي اشتهرت بطابعها التحرري و انتشار النزعة الرشدية بين طلابها وأساتذتها . فقد جاء في الحديث الشريف:" لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى و العمل الصالح".
اما ويليام الاوكامي فقد أورد أفكاره في كتابه "سلطة الأباطرة و سلطة الباباوات" حيث يرى أن البابا لا يحق له حرمان احد من حقوقه الطبيعية ، كما أن الشؤون الدنيوية من اختصاص الناس ، وأن سلطة الإمبراطور ليست مستمدة من الله مباشرة ، كما ليست مستمدة من البابا وانما مستمدة بواسطة الشعب الذي يقوم باختيار إمبراطوره،كما يعتبر ان سلطة البابا المطلقة عبارة عن بدعة و الحاد، ولا يمكن ان يكون معصوما من الأخطاء علاوة على عدم احقيته في تنصيب الإمبراطور و المصادقة على الانتخابات.
وبهذا ظهرت بوادر التحرر من الدين وسلطة الكنيسة التي فقدت السيطرة على الدولة كما سنرى ذلك عند حديثنا عن اللائكية.[/align][/size]

اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة

Please تسجيل الدخول or إنشاء حساب.. to join the conversation.

الوقت لإنشاء الصفحة: 0.152 ثانية