Topic-icon محاضرات في اللسانيات للأستاذ يعرب جرادي

المزيد
قبل 8 سنوات 2 شهور #5661 بواسطة تجويد
COM_KUNENA_MESSAGE_CREATED_NEW
السيــــرة الذاتيــــة:

معلومـات شخصيـــــة:

الاسم واللقب: يعرب جرّادي.

تاريخ ومكان الازدياد: 01-01-1980م

العنوان البريدي:ص ب 120 بني مرة بسكرة 07007.

العنوان الإلكتروني:ya3rob80@gmail.com

الشهـادات المتحصـل عليها:

· بكالوريا علوم الطبيعة والحياة: دورة جوان 1998م.
· ليسانس في "علوم اللسان(اللسانيات)،جوان 2005م، مع النجاح في مسابقة الدخول إلى الماجستير في سبتمبر من نفس السنة.
· ماجستير في"اللسانيات واللغة العربية" من جامعة محمد خيضر بسكرة،بمذكرة عنوانها:"الاختلاف اللغوي وأثره في المعنى؛دراسة بين روايتي ورش وحفص" ،ديسمبر2008م.
· التسجيل في الدكتوراة لموسم 2009/2010م.

الخبــرة المهنيــــة:

· مسؤولا عن حصص دعم الأقسام النهائية في إطار عقود ما قبل التشغيل لموسمين دراسيين:2007/2008م -2008/2009م.
· تأطير أساتذة الابتدائي في إطار خلية "التكوين عن بعد" لموسمي(2008/2009)، (2009/2010).
· أستاذا مستخلفا بقسم الأدب العربي بجامعة محمد خيضر بسكرة: للسنوات الجامعية:2006/2007م 2007/2008م 2008/2009م مكلفا بمقاييس:أصول النحو،علم الدلالة و المعجمية.
· أستاذا مستخلفا بقسم الترجمة بجامعة محمد خيضر بسكرة مكلفا بمقياسي عربية التخصص،والتحسين اللغوي.
· الإشراف على مذكرة تخرج"تعليمية النحو في مرحلة المتوسط" في إطار تكوين أساتذة التعليم المتوسط بجامعة التكوين المتواصل،وبرعاية ومتابعة المدرسة العليا للأساتذة بقسنطينة.

المشاركــات العلميـة:

· عضو هيئة تحرير مجلة "قراءات":مجلة سنوية علمية محكمة متخصصة تعنى بنظرية القراءة والتلقي ، تصدر عن مخبر وحدة التكوين والبحث في نظرية القراءة والتلقي.
· المشاركة في ندوة:"نظرية القراءة" بالمداخلة الموسومة بـ:"المستويات اللغوية والأثر الدلالي".
· مقال علمي بعنوان: "اختلاف القراءات القرآنية وأثرها في الدلالة و الأسلوب" في مجلة "قراءات" العلمية المحكمة المتخصصة.
· عضو مؤسس لملتقى "أدب الرحلة" و المشاركة بمحاضرة بعنوان :"تاريخ أدب الرحلة في العهد العثماني"، المنظم من طرف اتحاد الكتاب الجزائريين -فرع بسكرة-.
· عضو مؤسس للجمعية اللسانية للدراسات الأكاديمية.
· عضو في موقع منتدى اللسانيين واللغويين العرب.

اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة

Please تسجيل الدخول or إنشاء حساب.. to join the conversation.

المزيد
قبل 8 سنوات 2 شهور #5662 بواسطة تجويد
COM_KUNENA_MESSAGE_REPLIED_NEW
مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد المرسلين،وعلى صحبه آله الطاهرين، وبعد:

فالحمد لله الذي علم آدم الأسماء كلها، فرفعه،وأسجد له ملائكته،وغفر له خطيئته،ودله على ما به خير الدنيا وسعادة الآخرة، اتباعُ هداه وطلب العلم من مبتغاه، والاستزادة منه إلى منتهاه..

ثم الحمد لله على القرآن،أنزله عربي اللسان،مُيسر البيان،قريبا إلى الجنان،لمن صحت نيتُه،وسلمت طوِيَّتُه،وعاش في خدمته،وخير ذلك وأقربه خدمة لغته ولسانه..

ثم الحمد لله أن جعل الحكمةَ للمؤمن ضالَّته،لها يشد راحلته،ومن أجلها يترك أهله وولده،فتكون لذلك حقَّه،وبعد؛

فهذه دروس أو محاضرات في اللسانيات العامة،مقدمةً لطلبة السنة الأولى من التعليم الجامعي،من الذين يدرسون وفق النظام الجديد،حاولت من خلالها تقديم مادة هذا العلم الذي قد يظهر غريبا في بدايته،خاصة وأنه يفاجئ طلبة القسم الأدبي والدراسات اللغوية، بالعلمية التي تحيط به،ومع هذه العلمية الدقةُ التي يتحراها في تناول مادته،ونعم إنه كذلك لمن اعتاد من الدراسات اللغوية طلبَ آدبها،وغفل عن العلوم الأساسية التي تعينه على هذه الآداب،وإننا نرى إن اللسانيات اليوم من العلوم الأساسية التي حُقَّ لها أن تُطلب،خاصة وأنها من أهم سمات العالم المعاصر الذي نعيشه اليوم،لكن عن أي لسانيات نتحدث؟هل هي اللسانيات كما جاءتنا دونما نظر في صحتها؟أم عن لسانيات مُنَقَّاة مُصَفَّاة عن كل شائبة؟

إن الطالب الجامعي بوصفه سائرا في طريق تحرير فكره عن كل مُسلَّمة لم تثبتها له المحاكمات العلمية الصحيحة و الآمنة،لا يطرح هذه الأسئلة،لكنه يتقدم شيئا فشيئا نحو كل جديد يخدمه،مادام نافعا وذا فائدة.واللسانيات وإن كانت تقدم نفسها على أنها حديثة،فإنها أثبتت بعد مرورها على جيل كامل من الباحثين،المتشبعين بالروح النَقَّادة والمتمكنين من العلوم التراثية،أنها أعادت فقط هيكلة ما كان عندنا قديما،لكنها والحق يقال دعت هؤلاء الباحثين أو فريقا منهم على الأقل،إلى العودة إلى العصور الأولى،التي نشط فيه الاجتهاد الفكري ومعه الجهود اللسانية الجبارة التي بذلها أسلافنا،وعلى رأس هؤلاء العلامة اللساني عبد الرحمن الحاج صالح، الذي أسس لنظرية خليلية حديثة ،حاول بتطويرها الجمع بين الاستفادة من تراث الخليل وتلميذه سيبويه ومن سار على دربهما من الأولين،ثم دراسة المنتَج اللساني بوعي و إدراكٍ لمفاهيمها وأصولها الفكرية، للعودة به إلى أصوله العربية،مع تطوير هذه المفاهيم لتكون تطبيقية أكثر منها نظرية،كل ذلك من أجل خدمة العربية، والفهم الصحيح للمشاكل التي قد تقف دون تعلمها وتداولها،ولذلك نَحَت هذه الدروس هذا المنحى فقد استَلَلَتُ،ما أمكنني ذلك،المفاهيمَ اللسانية العربية، من النظرية الخليلية الحديثة بعد أن أكون قد سُقت مفاهيمها السوسيرية أو تلك التي تأثرت بأفكاره.ليكون بين يدي الطالب في ختام هذه الدروس لسانيات عامة عربية،كما دعت إليه هذه النظرية الخليلية الحديثة .

وليس لي في ذلك إلا الجمع والشرح والإعداد،وتوضيح ما قد يلتبس،أو تسهيل العبارات التي يعسر فهمها على الطالب،وكذا تقديم أو تأخير بعض المباحث بحسب ما يتناسب مع تسلسل الأفكار وتناغمها،ولعلي لذلك أطلت فيما حقه الاختصار، وكانت سَلواي في هذا أن تكون هذه الدروس جامِعة أكثر منها مختصرِة،وشارحة أكثر منها مقتصرة،ومغنية أكثر منها مُقترة،فأرجو أن أكون قد أصبت،وحسبي أني حاولت واجتهدت،مع علمي بأن العمل لا يكمل أبدا مهما جهدت في إتقانه وإحسانه، والله بعد هذا ولي التوفيق.

محاضرات في اللسانيـات العامـة:

-المحاضرة الأولى:

أولا-نبذة عن الدراسات اللغوية عند الأمم القديمة.

ثانيا-التعريف ببعض المصطلحات(فقه اللغة،الفيلولوجيا،علم اللغة، علم اللسان)

-المحاضرة الثانية:

أولا-عوامل نشأة اللسانيات

ثانيا-علم اللسانيات الحديث

ثالثا-خصائص اللسان البشري

-المحاضرة الثالثة:

أولا-مفهوم اللسان أو اللسانيات:

ثانيا-خصائص اللسان البشري:

ثالثا-وظائف اللسان:

-المحاضرة الرابعة:

-مستويات التحليل اللساني

-المحاضرة الخامسة:

-لمحة عن الدراسات الصوتية العربية:

المحاضرة الأولى:أولا-نبذة عن الدراسات اللغوية عند الأمم القديمة:

كانت اللغة من أهم اهتمامات الحضارات القديمة ، وكان رقي الدراسات اللغوية مؤشرا على ترقي الفكر الإنساني في هذا المجتمع ، ولعل أولى الأسباب الدافعة للاهتمام باللغة ؛ حرص الشعوب على تدوين تاريخها ونقله إلى الآخر ممن سيأتي بعدهم ، ولن يكون هذا النقل أمينا إن لم تكن اللغة وَفِيَّة للمعاني المراد تبليغها ، فكان الاهتمام بالكتابة والأصوات منطلق البحوث اللسانية ، لتَتَْبعها أمم تهتم بفهم المدونة الموروثة عن الأسلاف ، شرحا وتطويرا لوسيلة الكتابة ، أو رسم الحروف ، على أن هذه المدونة قد تكون مقدسة ، فَيكتسب الاهتمام باللغة شرفا دينيا ورفعة أخلاقية واجتماعية ، كما حدث مع الهنود ونصوص الفيدا السنسكريتية ، ومع المسلمين والقرآن الكريم واللغة العربية ، أو يكون الاهتمام لأغراض تشريعية ، كما كان الأمر مع البابليين والكتابة المسمارية ، أو تجاريا مع الفينيقيين والسريانية ، أو يكون الغرض فلسفيا أو شعائريا كما حدث مع اليونان والإغريق ، ونصوص فلاسفتهم وإلياذتهم الشهيرة ، ولذا سنعرض لكل نشاط لغوي في هذه المجتمعات ، لنتابع و نستقرئ مناهج البحث عندها ؛ وما مدى قربها أو بعدها من العلمية أو الموضوعية المرجوتان في كل نشاط فكري.

1-الهنود:

يرى جورج مونان-أحد علماء اللسانيات البارزين في هذا العصر-، أن الأبحاث اللسانية نشأت في القرن الخامس قبل الميلاد ، تاريخِ ظهور الأبحاث اللسانية أول مرة في الهند[1] ، و أُثرت عنهم دراسات في الأصوات والقواعد وقوائم المفردات وبعض جوانب الدلالة ، والبنية.

ويعتبر "بانيني"(650ق.م) ، أشهر النحاة الهنود ، فقد ألف كتابه "الكتب الثمانية" ، والذي يشتمل على:

1-أنواع الجمل وتحتها : أنواع النغمات والنبرات الكلامية.

2-ثم المفردات : وما يعتريها من التغيرات الصوتية ، في أوائلها وأواخرها...

وقد أعجب الأوربيون أيما إعجاب بهذا النحو ؛ إذ يقول فيرث- اللساني الأنجليزي- : "لولا النحاة الهنود لصعب علينا الآن أن نتصور مدرستنا الصوتية في القرن التاسع عشر".

ويرى بلومفيلد-من اللسانيين الأمركيين المشهورين- : "أن أهم من اكتشاف الشبه بين السنسكريتية واللغات الأوربية ، ما لمحه الأوربيون من البنية اللغوية ، وذلك بفضل النحو الهندي الدقيق المنتظم،فالنحو الهندي هو الذي علَّم الأوربيين كيف يحللون أبنية كلامهم."[2]

ويقول: "إن نحو بانيني يُعد من أعظم الشواهد القديمة على تقدم العقل البشري." .

وقال عنه ماكس مولر:"لا يوجد نحو في أي لغة يعادل نحوه."[3]

وقد كان في الهند حوالي(12) مدرسة في النحو ، وما يقرب عن (300) كتاب مؤلف في هذا العلم.

2-الفينيقيون:

يقال أن الفينيقين هم الذين اخترعوا الأبجدية ، وعلموا العالم الكتابة ، إذ يرى" أنطوان مييه" : "أن الذين اخترعوا الكتابة وحسنوها هم في الحقيقة من أكبر اللغويين ، بل هم الذين ابتدعوا علم اللسان."[4]

كما ترى جوليا كريستيفا : "أن أول علماء اللسانيات هم الفينيقين ، الذين أسهموا في اكتشاف الحرف ، فشكلوا الجملة ، وكتبوا الكلمة من مواقع و إشارت تجريدية أكثر منها تصويرية ، ونتج بذلك الألفباء الفينيقي،الذي يفترق عن الكتابة الفرعونية في أن اللغة الفرعونية تمثل تطورا يقربه من التحليل الرسمي لمادة اللغة الصوتية ، وهو تحليل شبه مستقل عن المرجع والمدلول ، لكنها لم تنتج نظاما ألفبائيا ، وكانت الكتابة الصينية أبعد من أن تنتج هذا النظام.".

ولم يصل الفينيقيون إلى هذه الخطوة الجبارة ، إلا بعد أن قاموا بثورة جذرية على الخط المسماري ، بعد أن ظهرت لهم عيوبه ، فبعد أن اخترعوا التمثيل الصوتي ، أوجدوا لكل حرف صوتي صورة واحدة بسيطة سهلة التصوير ، بدلا من الخطوط المسمارية المعقدة.

3- اليونان:

استعار اليونانيون من الفينيقين الكتابة الهجائية ، وعلى الرغم من اختلاف لغتهم عن الفينيقية في الصوامت والصوائت ، فقد كيفوها بما يناسب لغتهم.

وقد توصلوا إلى أن الصامت لا يمكن النطق به إلا مع صائت أو مصوت.

وسموا المجموعة المكونة من الصوامت والصوائت مقطعا[5]. وقالوا أن الصائت يمكن النطق به وحده ، فيكون بذلك بمنزلة مقطع واحد ، أما بعد ظهور الفلسفة اليونانية ، فقد اتخذت الدراسات اليونانية منهجا جديدا حيث عولجت موضوعات مثل: هل اللغة تواضع واصطلاح أم توقيف ووحي؟ و هل الألفاظ موضوعة على نظام محكم وخاضعة لقوانين معقولة ؟ وهل هي طبيعية لا يستقر لها حال؟

ومن أشهرهم نحاتهم" أبولونيوس ديسكولي" (ت150م) ،حيث بحث في قوانين اللغة و علللها ، وفي كتابه "التراكيب" ؛ "يأخذ على سابقيه اقتصارهم على ذكر الأمثلة ، وعدم التفاتهم إلى علة الشواذ ، وقد فضل الشواهد النثرية على الشواهد الشعرية ، لأن في الشعر التقديم والتأخير والحذف ، ويحذر من اللجوء إلى المعنى المجازي في تحديد مدلولات الألفاظ ، لأنه عرضي ، كما عني بالكلمة و بدورها في الجملة ، وعارض أرسطو في تحديد مفهوم الكلمة ، فهو لا يلتفت إلى المفهوم المنطقي ، بل إلى اللغوي منه فقط.

4-المسلمون:

قام المسلمون بجهود جبارة في ميدان الدراسات اللسانية ، وقد كان الفكر اللساني العربي راقيا جدا ، باعتراف اللسانيين الأوربيون الذين يعتقدون أن أهم درسين لسانيين في الفكر الإنساني هما الدرسان العربي والهندي

كما يرى جورج مونان أن علم الأصوات عند العرب علم فذ ممتاز.

و سنغمط المسلمين حقهم ؛ إذا أردنا أن نستعرض إنجازاتهم اللسانية في صفحات أو كتاب ، ولكننا سنذكر أسماء لامعة أضاءت آفاق البحث اللساني ، كأبي الأسود الدؤلي بوضعه علم النحو،و الخليل بن أحمد الفراهيدي وتلميذه سيبويه ؛ اللذان وصفا النظام النحوي ، وتوصلا إلى مفاهيم راقية ليس هذا أوان شرحها ، كالعلة والأصل والفرع ، والعامل،.. وأبي نصر الفارابي الذي تكلم عن علم اللسان بطريقة شمولية ، ونظم المعارف اللسانية نظما دقيقا . والجاحظ الذي تكلم عن الخطاب اللغوي ، ووصف العملية التبليغية واشترط أركانها الثلاثة: 1المتكلم ، 2-السامع ، 3-الكلام ، وقناة توصل بينهما ، التي هي المشافهة في الأغلب ، ورأى أن ما يربطهما هي الوظائف ؛ وهي عنده ثلاث:

1-الوظيفة الإفهامية(الفهم والإفهام، والبيان والتبيين)،

2-الوظيفة الخطابية،

3-الوظيفة الشعرية.

كما رأى أن الأُولى هي الأصل ، ويعد بذلك من رواد النفعية الاجتماعية إذ يرى أن الجميل ينبع من النافع ، فالخير ليس في الكلمة الجميلة بقدر ما هو في الكلمة الناجعة ؛ التي تعمل في النفس عمل الغيث في التربة ، كما شارك في فقه اللغة مشاركة واضحة.

أيضا كان ابن جني شارك مشاركة هامة بتعريفه الراقي جدا للغة ، ومساواتها عنده باللسان ، وباستعراضه للأحوال الصوتية التي تعرض للغة ، وخصص للصوتيات كتابا أسماه"سر صناعة الإعراب" .

هذا ونذكر أيضا ابن خلدون الذي أصل لاجتماعية اللغة ، ولجانبها النفسي بقوله: "اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده ، وهي مُتقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان ، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم.".

وعلى العموم فإن الدراسات اللسانية العربية واسعة جدا ، وسنحلل بعض أفكارهم بالتفصيل عند حديثنا عن المدارس اللسانية ، لكننا نستطيع أن نصفها هذه الدراسات بما يلي:

1-الغنى والتنوع في الصوتيات العربية ، والدقة في دراسة مخارج الحروف ، وكيفية حدوث الأصوات ، والتفريق بينها.

2-النظرة الشمولية المتكاملة في الإحاطة بمقومات علم اللسان.

3-اتباع الأسلوب العلمي في استقراء المادة اللغوية ، من والقرآن والسنة النبوية وكلام العرب ، كما تجلى ذلك عند اللغويين والنحاة.

4-النظرة الموضوعية للعلامة بين الدال والمدلول ، على أنه علاقة عرفية اصطلاحية ، وأن قيمة اللغة في عُرفيتها واستعمالها ؛ إذ يرى

ابن حزم-مثلا-أن الدلالة اللغوية فعل إرادي مقصود بصاحبه ، ومن هنا نشأت فكرة عدم الأفضلية بين اللغات.

والخلاصة:

أن المؤرخين يجمعون ، على تأكيد مزية أساسية في المباحث العربية ، المتعلقة بالدراسات اللسانية ، تجعلها في منزلة أرقى من الدراسات الغربية بعامة.[6]

ثانيا-التعريف ببعض المصطلحات:(فقه اللغة-الفيلولوجيا-علم اللغة- علم اللسان):

وسنتعرض فيه ، قبل أن نخوض في هذا العلم (اللسانيات) ، للفوارق القائمة بين مصطلحات تعارفنا عليها ، خاصة أنها من الناحية اللغوية متقاربة المفاهيم ، فقد تلتبس على الدارس، إن لم يضبطها من البداية ، وهي : فقه اللغة، الفيلولوجيا ، علم اللغة ، علم اللسان ، وقد تغيرت مفاهيم هذه المصطلحات قديما وحديثا ، في الساحة العربية ، وعند الغربيين ، وهذا بيانها :

1/-فقه اللغة عند القدامى من علماء الإسلام:

هو لفظ يطلق على أحد فروع علم اللغة ، وموضوعه الفوارق اللغوية التي تنتج عن التفريع الدلالي و تشعبات المعاني ، أو بعبارة أخرى التمييز بين الوضع والاستعمال ، فيما يرجع إلى المفردات (أي الوضع اللغوي الأول وما يتفرع عليه من استعمالات مختلفة : الجماعية والإقليمية أو الفردية النادرة) ، قال ابن خلدون في مقدمته (ص1062): "لما كانت العرب تضع الشيء لمعنى على العموم ، ثم تستعمل في الأمور الخاصة ألفاظا أخرى خاصة بها ، فرق ذلك عندنا بين الوضع والاستعمال ، واحتاج الناس إلى فقه في اللغة عزيز المأخذ كما وُضع الأبيض العام لكل بياض ، ثم اختص ما فيه بياض من الخيل بالأشهب و من الإنسان بالأزهر.".

وألف في هذا الفن أحمد بن فارس "الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها"،(2-3)، فقال على الخصوص: "إن لعلم العرب أصلا وفرعا، أما الأصل فمعرفة الأسماء والصفات كقولنا رجل وفرس وطويل وقصير، وهذا هو الذي يبدأ به عند التعلم ، وأما الفرع فالقول على موضوع اللغة ( أي على أوضاعها الإفرادية ) و أوليتها ومنشئها ثم على رسم العرب ، أي على عوائدها اللغوية في مخاطباتها من الافتنان".

أي من التنوع وتشعب استعمالاتها تحقيقا ومجازا.

ويظهر من هذا أن فقه اللغة يهتم بالبحث النظري ، فهو يعالج أيضا كفرع لعلم اللغة ، ظاهرة الترادف والاشتراك والمولد والدخيل ، وغير ذلك ، ثم يبحث بالتالي عن ظاهرة الوضع اللغوي بصفة عامة ، ومن ثم يعتني بالبحث عن الكلمات وتكيفها وتنوعها اللهجي ، وعن منشأ اللغة كلها وأسباب الوضع فيها.

2/-فقه اللغة عندنا وعند قدماء الغرب:

-في الوقت الحاضر[7]: نحافظ نحن على المفهوم العربي القديم؛ إذ تبين من خلال كتب فقه اللغة القديمة أن الأغراض الرئيسية فيها هي:

1-استقراء معاني المفردات وتتبع إطلاقها في مختلف السياقات وبيان مسمياتها وحصر استعمالاتها.

2-بيان الفوارق الدقيقة اللطيفة بين هذه الاستعمالات المختلفة (اللغوية المحضة والبلاغية).

3-بيان تنوعها اللهجي.

4-بيان الترتيبات الكثيرة وأهمها الترتيب المحوري الدلالي(بحسب التجانس المعنوي) ، والترتيب الأبجدي في المعجمات ( وفي فن المعاجم كفرع لعلم اللغة).

أما إحصاء المفردات ، وضبط صيغها ، ومعانيها الوضعية ، وبيان درجة شيوعها ، و إعزاؤها إلى قائليها من مختلف القبائل ، فهذا لا يدخل في فقه اللغة بهذا المعنى (القديم) ، بل في علم اللغة الرياضي والجغرافي وهما فرعان لهذا الفن.

-عند الغربيين من معاصرينا ومن تبعهم من الدارسين العرب:

هو ترجمة لهذين المفهومين المتقاربين:

1-مفهوم الفيلولوجياphilologie :

عند قدماء الغربيين ( اليونانيين وكل من تأثر بأدبهم من الأوربيين)، هو الدراسة اللغوية للنصوص القديمة ، لإدراك فحواها ومغزاها ، وكانت هذه الدراسة من جملة الوسائل خصوصا في القرون الأخيرة) ، التي يستعين بها العلماء الأوربيون ، غير اللغويين كالمؤرخ ، ورجل القانون ، وناقد الآثار الأدبية ، والاجتماعي وغيرهم ، وعلى هذا لم يكن هذا الفن مستقلا بذاته ، أما الغرض منه فهو أن يخدم غيره من العلوم الإنسانية.

2-وأما الدراسة اللغوية التاريخية وعلم اللغة المقارن أو النحو المقارن؛ فالمقصود منه شيئان:

إثبات المراحل المتطورة التي تمر عليها اللغة ، باستعمال المناهج االمقارنة التاريخية ويسميه بعض الأوربيين إما:

Linguistique historique أو Linguistique comparative وإما

Linguistique comparè أو grammaire historique وإما philologie comparèe

3/-علم اللسان:

قديما:

استعمل علماؤنا هذه التسمية ، للدلالة على كل دراسة خاصة باللسان، تمييزا لها عما هو خارج عنها ، من علم أصول الفقه ، وعلم الكلام ، وعلم الحديث ، وعلم المنطق ، وعلم الحساب ، والفقه التفريعي ، وغيرها من فنون المعرفة ، ووردت هذه اللفظة في كثير من المؤلفات نذكر منها ، المخصص لابن سيده، ومقدمة ابن خلدون (وفيها أيضا: علوم اللسان)

ويتضمن علم اللغة: "أوضاع المفردات وغيرها من حيث السماع " ، وعلم النحو " أوضاع أبنية المفردات والمركبات." ، ويتناول أيضا علم البلاغة (علم التبليغ الفعال) ، أي دراسة الأساليب الكلامية ، التي لها تأثير في مشاعر المخاطب ، وعلم العروض وغيرها.

كما استعملوا أيضا عبارة " علم اللسان العربي" ، للدلالة على هذه الفنون التي ذكرناها ، لكنها مقصورة على اللغة العربية فقط.

وكان العلماء الأولون كأبي عمرو بن العلاء(ت154ه) ، وأصحابه والخليل(ت175ه) ، وسيبويه(ت180ه) ، وأصحابهم يعبرون عن هذا المدلول بلفظ "العربية" فقط أو "علم العربية".

حديثا:

ترجمة[8] لـ" linguistique" بمفهومه الحديث ( ما يدل عليه اللفظ في النصف الثاني من القرن العشرين) بعلم اللسان. وموضوعه في نظر العلماء المحدثين هو اللسان البشري بوجه عام ، و الألسنة المعينة بوجه خاص ، ويدخل في اللسان كل الظواهر المتعلقة به: الأصوات/ المفردات/ المركبات . وما يخص كل واحد من هذه المستويات ، فيعنى بكل الدراسات التي تتناول الظواهر اللغوية من حيث اللفظ والمعنى في حد ذاتها وبنيتها ، أو عمليات التبليغ في حالة زمانية واحدة ، أو من خلال التحول الزماني و غير ذلك من وجهات نظر.

ويتعرض هذا العلم للأحداث اللسانية ، من منظور علمي بحت أي:

1-بالموضوعية المطلقة(وله في ذلك مقاييس).

2-بمشاهدة الظواهر اللغوية(بأجهزة أو بغير أجهزة).

3-بالاستقراء الواسع المستمر(إجراء التحريات المنتظمة).

4-بالتحليل الإحصائي.

5-باستنباط القوانين العامة.

6-باستعمال المثل والأنماط الرياضية اللائقة.

7-بتعليل هذه القوانين وجعلها معقولة.

8-ببناء النظريات العامة الفعالة القابلة للتطور.

ونظرته إليها إما زمانية تطورية ، وإما سكونية أو وضعية ، ويهتم قبل كل شيء بالنظام الكلي لا بأجزائه كأجزاء ، ومعنى ذلك أنه لا يلتفت دائما إلى البنية ذاتها ؛ وإذا التفت إلى أجزائها فمن أجل التعمق في فهم أسرار البنية ، ومن ثم فغايته القصوى هو إثبات العلاقات و النسب بين الظواهر اللغوية ، على شكل عميق دقيق ( رياضي كلما استطاع إلى ذلك سبيلا.)

-علم اللغة:

-قديما:

علم أوضاع المفردات عند ابن يعقوب المغربي، التهانوني وغيرهما،وهو علم الموضوعات اللغوية عند ابن خلدون، و علم الألفاظ المعينة السماعية عند الرضي الاستراباذي.

الشرح:

أوضاع اللغة: ما يخص المفردات أي الكلمات أو العناصر الأولية الدالة من حيث وضعها ، وهذا يقتضي أن علم اللغة (عند القدامى وعندنا أيضا) ، يعالج مفردات اللسان من ثبوتها في ذلك اللسان ، وثبوت صيغها المسموعة ، وثبوت معانيها الأصلية والفرعية باستقراء كلام الناس (بالنسبة للعربية : استقراء كلام العرب الفصحاء) ، فهو دراسة استقرائية تحليلية لمادة اللسان وجوهره.

الموضوعات اللغوية: ما تواضع عليه المتكلمون من كلمات ومعان ، أي من دوال ومدلولات من الألفاظ المعينة السماعية ، الألفاظ المجردة التي هي أعيان مشخصة وأفراد وجزئيات مادية ، وما بمنزلتها كالعبارات الجامدة المسموعة التي يتكون منها اللسان ، وهذا يقلب النسبة والعلاقة الناتجة عن التركيب، وفي موضوع علم النحو بمعناه العام.

فدراجة المفردات المندرجة في علم اللسان هي علم اللغة، أو علم متن اللغة ، ومقابلها باللغات الأجنبية lexicologie ، وعلى هذا فعلم اللغة يعالج مادة اللسان الإفرادية ، وعلم النحو يعالج هيئاته وصورته التركيبية.

-حديثا(عندنا):

هي بنفس المفهوم الذي عده القدماء من علماء العرب ، ولا حاجة-عند اللساني- إلى استبداله بلفظ آخر ، فهو-أي علم اللغة- اللفظ العربي الذي يؤدي مفهوم الـ lexicologie.

-عند غيرنا-من الدارسين العرب-:

هو ترجمة حديثة لكلمة linguistique وهو مانسميه نحن (علم اللسان) أو (اللسانيات)، وهذه الترجمة قد تكون سببا في الالتباسات التي تطرأ على أقوال العلماء المحدثين في علم العربية.[9]

المحاضرة الثانـية:

أولا-عوامل نشأة اللسانيات:

1-قبل سوسير[10]:

عرفت أوروبا دراسات لغوية في القرون الوسطى ، لكنها كانت دراسات معيارية ، لا تعترف إلا باللغة اللاتينية ، لغة نحوٍ و فنٍ وعلمِ ، ثم بدأت الدراسات تنشط شيئا فشيئا ، خاصة بظهور الرَّحالة و المبشرين الذين أرادوا التعرف على اللغات الأجنبية ، لخدمة أغراضهم الاستكشافية و الدينية ، فكانت النواة الأولى للدراسات المقارنة، مع طغيان النظرية القائلة بأن العبرية أصل اللغات ، خاصة في القرن الثامن عشر مع لايبنز.

وأطل القرن التاسع عشر المتميز بنشاط النظريات التاريخية والفلسفية ، فاكتشف المستشرق الإنجليزي وليام جونز اللغة السنسكريتية، وطرح احتمال كونها-وكثير من اللغات الأوربية والآسيوية كالفارسية-من أصل واحد ، لتنفجر الدراسات المقارنة فيظهر مفهوم المجموعة اللغوية الهندوأروبية، ويعقبه شليغل الذي توصل إلى مفهوم القواعد المقارنة ، التي أسسها بعده بوب ، لتخلص إلى توجيه "يسبرسن"-متأثرا بنظرية النشوء والارتقاء-أن علم اللغة مجرد علم تاريخي ، ميدانه الأساس أصول اللغات ، وعلاقاتها ببعضها، عرفت هذه الدراسات باللسانيات التاريخية ، في شكل بحوث تعنى بتصنيف اللغات و تقنين التغيرات الصوتية.

ليختتم هذا القرن ؛ بمحاولة إخضاع الظواهر اللغوية إلى مناهج البحوث العلمية ، بغية الوصول إلى القوانين التي تحكمها ، وهو ماعملت على تأكيده مجموعة من الباحثين الألمان عرفوا بالنحاة الجدد، هم لسكين و أستهوف و بروجمان ، لكنهم عجزوا عن حصر جميع العوامل والظروف التي تتحقق بها أكثر قوانينهم ، فراجعها العلماء وأدخلوا عليها تعديلات ، بتوسيع مضمونها واعتبار ما لم يعتبره فيها، على ضوء ما جاءت به جغرافية اللغة ، ثم البنوية الحديثة.[11]

-مع سوسير:

ظهرت في حدود سنة 1890م اتجاهات جديدة في التحليل العلمي للظاهر الاجتماعية ، وبصفة خاصة الأحداث الاقتصادية ، أهمها فكرة تقدم المجتمع على أفراده في الوجود ، أي إن الجماعة يسبقها الشخص الذي يعد وليد الاجتماع والعمران ، وقد جعلها أوكست كونت ركنا من أركان علم الاجتماع ، وتعرض لها قبله أمثال هريدر ،و فون شليغل ، و همبولت ، وسبقهم كلهم إلى ذلك ابن خلدون، وتأثر بهذه الفكرة في علم الاجتماع إميل دوركيم ، فطور مفهوم "التصورات الاجتماعية" ، وبذلك لفت نظر اللغويين إلى أهمية العامل الاجتماعي، إذ أن هؤلاء الأفراد يكونون وحدة ذات شعور ووعي جماعي ، كما يقول دوركيم ، فالتصور الجماعي شيء زائد على مجموع الأفراد ، بل خارج عن صفات الفرد ، وهو كل صفة غير فيزيولوجية ولا عضوية يشترك فيها جميع الأشخاص بسبب اجتماعهم وتعايشهم ، وكل ما يصدر عنه في داخل الجماعة ومن أجلها ، وأن للجماعة ضغطا على الفرد، فهي جبرية و قسرية، ولا يستطيع الفرد الخروج عنها.

ومن اللغويين الذين اتصلوا بدوركيم وتأثروا به أنطوان مييه ، فاعتمد اعتمادا كليا على هذين المفهومين في تفسير تطور اللغة، وأعطى الجانب الاجتماعي الأولوية في تفسيراته-رغم أنه لم يهمل الجانب النفسي للغة-، في مقالة كان لها صدى عميق عنوانها:" كيف تتحول المعاني" ، قال فيها: "إن اللغة حدث اجتماعي بالدرجة الأولى"، ومنذ ذلك الوقت اعتاد الناس أن يقولوا:"إن اللسان حدث اجتماعي" أو ظاهرة اجتماعية كما يقول سوسير فيما بعد، وأصبح ينظر إلى اللغة على أن لها وجودا مستقلا عن الأشخاص الذين ينطقون بها ، رغم أنه ليس لها وجود في خارج المجموعة ، والدليل على ذلك أنه ليس في وسع أي واحد من الأفراد الخروج عنها ، فأي تغيير فردي سيصحبه السخرية التي يتعرض لها ، والصفتان اللتان حددهما دوركايم في الحدث الاجتماعي، وهما وجوده خارج الفرد و قسريته ظاهران في اللغة ظهورا بينا.

كما التفت الدارسون في هذا العصر لأفكار همبولت و ويتني التي تدعو إلى النظرة الشاملة للغة ، ثم النظرة الآنية غير التطورية لظواهرها ، فلا يتصور أن يبحث عن تطور الفعل في لغة من اللغات؛ من زمن كذا إلى زمن كذا ، دون معرفة صفاته المميزة له عن غيره، ويكتفي حينذاك مضطرا بالرجوع إلى التحديدات الفلسفية والتقليدية،

وكان أنطوان مييه يصرح دائما بأن اللسانيات التطورية محتاجة أشد الحاجة إلى قسم تكميلي وإضافي هو اللسانيات العامة ، ويتمنى أن تكون شبه مقدمة للدراسات اللغوية التاريخية ، فلم يكتب له أن يضع هذه النظرية المنشودة ، لعدم تفطنه إلى أهميتها وإلى أنها أخطر بكثير من النظرية التاريخية.

وفي جو من الاستياء والسخط غيم على الدراسات اللسانية، ظهرت من جديد فكرة النظام الباطن أو الصورة والصيغة الناتجة عن التركيب ، الزائدة على مجموع الصفات الجزئية. وتسرب هذا المفهوم إلى أذهان اللغويين والمفكرين ، ولكنهم لم يشيروا إلى الجانب الأخطر لهذا المفهوم ، وهو النظم نفسه ، أي التأليف الذي يستلزم أن تكون لكل جزء داخل المجموعة ؛ صفات خاصة تشاركه فيه بعض الأجزاء وتغايره بها أجزاء أخرى ، فباتصافه بتلك الصفات تكون له مع كل واحد من الأجزاء الأخرى علاقة ونسب ، ومجموع هذه النسب تسمى في اصطلاح علماء هذا العصر ، الصورة أو الصيغة (FORME) أو النظام ، وأطلق عليها فيما بعد لفظ البنية (structure) ، لأنها داخلة في التأليف والبناء.

و مييه نفسه لم يلتفت إلى هذا الجانب الهام من اللغة ، بل الذي لفت نظره هو النظام ، كمجموع أجزاء متناسقة ، لا التناسق في ذاته كعامل له كيان على حدة ، وبالأحرى تأثير في المجموع ، أي في أجزائه المكونة له.

غير أن مفهوم الصورة-بحسب هذا التحديد- ليس هو وحده الذي انتقلت به اللسانيات ؛ من النظرة التاريخية إلى النظرة الوصفية البنوية، فالالتفات إلى بنية اللغة ، يقتضي من الباحث،لا الإمساك عن كل اعتبار تاريخي فقط ، بل التمييز بين هذا الاعتبار وبين النظر إلى هيكل اللغة في وقت معين،أي بصرف النظر عن العامل الزماني وأحداث التطور. وتحقيقا لهذا التمييز المنهجي ، بدأ الباحثون ممن ثاروا على جبروت النحو التطوري ، يبسطون آراءهم في ماهية اللغة، وما تستلزم دراستها من مبادئ نظرية ومنهجية ، وأول من وضح وحدد ونظّم هذه الأفكار الجديدة بالنسبة إلى اللسانيات التاريخية ، هو فردينان دي سوسير ، فقد استطاع أن يجعل من هذه المعاني والأفكار نظاما فخما دقيقا منسجم الأطراف بعيد الغور.[12]

ثانيا-علم اللسانيات الحديث:

لقد حدد سوسير موضوع علم اللسانيات،وحاول أن ينفي عنه كل التصورات غير العلمية ، ولذك سنتساءل عما عساه أن يدخل من الأحداث والمفاهيم في موضوع اللسانيات ، وعما لا يدخل منها فيه؟ أو بعبارة أخرى: ماذا يمكننا أن نطلق عليه صفة اللسانية ، ونقطع عليه بأنه من موضوع علم اللسان ، وماذا يجب أن ننفي عنه هذه الصفة؟

إن الدراسة اللسانية كما قال سوسير:"هي دراسة اللسان منه وإليه"[13]

فللعلوم الأخرى مواضيع خاصة بها ، قد تلتقي بموضوع علم اللسان ، فقد ينظر العالم النفساني في أحداث الكلام ، لأن لها جانبا سيكولوجيا مهما، وقد ينظر العالم الاجتماعي فيه أيضا لاهتمامه بكل ما يحصل في المجتمعات وبسبب الاجتماع نفسه ، وقد يهتم المناطقي بما يربط الكلام بالصياغة المنطقية ، وكلًّ يتناول اللسان وأحداثه من جانب واحد ، وليس في الحقيقة الموضوع الرئيس الذي تطرقه اللسانيات البحتة.

فالذي يهم جميع العلوم السابقة-غيراللسانيات-ليس اللسان في صفاته الذاتية بل في صفاته التي ترتبط بموضوع أبحاثها[14].

وعليه تتحدد موضوعات أصول البحث اللساني كما حدده سوسير فيما يأتي-مما وضحه جون لاينز-:

1-سمة اللسانيات الاستقلال عن بقية العلوم ، والمعارف ، لكنها لا تتوانى عن الإفادة منها ، حين تدعو الحاجة إلى ذلك. وهذه الصفة تؤكد علميتها في حين أن النحو التقليدي،كان يتصل بالفلسفة والمنطق.

2-تهتم اللسانيات باللغة الملفوظة أو المنطوقة قبل المكتوبة ، وفي عكس هذا تتجه علوم اللغة التقليدية.

3-اللغة في منظور اللسانيات كل متكامل ، وحين تُدرس لا بد من تسلسل متدرج ، يبدأ من الأصوات ، في أصغر مكونات عناصرها ، ثم الدلالة ، مرورا بجوانب المورفولوجيا والسنتاكس[15]

4-تسعى اللسانيات إلى بناء نظرية عامة للغة ، تتصف بالشمولية، وعلى مسارها يمكن دراسة مختلف اللغات الإنسانية ووصفها.

5-تدرس اللسانيات اللغة الفصحى ، واللهجات ، باعتبارها من مستويات الاستخدام اللغوي ، وكذلك اللغات البدائية ، واللغات المتحضرة دون أي تحيز. لأنها جميعا جديرة بالاهتمام والبحث[16]

ولقد وضح سوسير نظريته في اللسانيات العامة ؛ من خلال مجموعة من الثنائيات التقابلية التي كانت تأسيسا منهجيا ، نُعت بـ"التصنيف الثنائي" ، وقد انفرد بها دي سوسير ، وظلت تعيد نفسها في الفكر اللساني المعاصر ، بأشكال متنوعة ، وقد أراد من خلالها تقديم تفسير كاف لكل جانب من جوانب ظاهرة اللسان البشري . وهذه هي ثنائياته الواحدة تلو الأخرى:

1-الثنائية:تاريخي/آني:

فاللسان من حيث هو نظام تواصلي ، يمتلكه كل فرد ينتمي إلى مجتمع له خصوصياته الثقافية والحضارية المتجانسة ، يعكس حقيقتين:

أ-آنية: من حيث إن اللسان واقع قائم بذاته ، يمكن لنا إخضاعه للدراسة العلمية بكل مواصفاتها ، بمعزل عن التعاقب التاريخي.

ب-حقيقة تاريخية: لأن اللسان حدث متغير ، يتكون من رواسب الاستعمال الفعلي للكلام ، عبر الحقب الزمنية المختلفة.

بناء على هذا التصور لحقيقة النظام اللساني ، بوصفه الموضوع الأساس للدراسة اللسانية ، أصبح من الضروري-في نظره-تقسيم الدراسة اللسانية إلى فرعين:

أ-إحداهما"لسانيات تاريخية"؛ وهي الدراسة التي تهتم بالتعقب المرحلي للظاهرة اللسانية عبر التاريخ.

ب-الأخرى"لسانيات آنية"؛ وهي الدراسة التي تسعى إلى وصف بنية النظام اللساني وتحليلها في ذاتها ومن أحل ذاتها بمعزل عن الأثر التاريخي.



2-الثنائية:لسان/ كلام:

لقد تبنى سوسير منهجا علميا جعله يميل إلى الشيء المتجانس في ذاته ، فميز منذ البدء بين ثلاثة مصطلحات ، كانت مألوفة و شائعة في الفكر الإنساني ، وهي:

أ-اللغة((language: وهي الملكة الإنسانية التي تتجلى في تلك القدرات الفطرية التي يمتلكها الإنسان دون سواه من المخلوقات ، والتي تسمح له بالإنجاز الفعلي للكلام بواسطة نسق من العلامات.

ب-اللسان (langue): وهو النظام التواصلي الذي يمتلكه كل فرد متكلم-مستمع ينتمي إلى مجتمع لغوي متجانس.

جـ-الكلام(parole):وهو الإنجاز الفعلي للغة في الواقع.

وبعد هذا التمييز بين المصطلحات ، أقصى سوسير من اهتماماته المصطلح الأول ، وقدم مبررا له في أن اللغة ، بوصفها ظاهرة طبيعية عامة ، تتميز بتعدد عناصرها ، فهي تنتمي إلى مجال فردي ومجال اجتماعي ، مما يجعل إخضاعها للمنهج العلمي صعبا ، بل قد يكون مستحيلا نظرا للأسباب التي ذكرناها سابقا ، إذ هي من هذا الجانب محل اهتمام لكثير من التخصصات.

ولذلك يكون من الأنجع التمسك بالمصطلح الثاني ، أي اللسان–بمفهومه المحدد-، لأنه يتميز بتوحد بنيته وانسجام عناصرها ، فهو نتاج اجتماعي لملكة اللغة ، إذ إنه يتبدى في شكل مجموعة من الأعراف الضرورية ، ضابطها التواطؤ والاصطلاح ، في المجتمع اللغوي الذي يستخدمها ، لمزاولة هذه الملكة عند الأفراد.

ويرى سوسير أن اللسان ليس من وظيفة المتكلم ، لأنه النتيجة التي يسجلها الفرد بكيفية سلبية ، عكس الكلام الذي هو عمل فردي نابع عن إرادة وذكاء ، وفي ظل هذه الثنائية يمكن لنا أن نميز بين شيئين:

أحدهما: التراكيب اللسانية: التي يستخدم فيها الفرد المتكلم ؛ قوانين اللسان للتعبير عن أفكاره واهتماماته الخاصة.

والآخر: الآلية النفسية و الفيزيولوجية: التي تسمح له بإخراج هذه التراكيب من الموجود بالقوة إلى الموجود بالفعل.

إن التمييز بين اللسان- من حيث هو ظاهرة اجتماعية- بمعزل عن إرادة الفرد المتكلم ، والكلام؛من حيث هو عمل فردي يمارس فيه المتكلم قدرته التعبيرية للاتصال بالآخرين ، يطرح تمييزا بين الحدث الاجتماعي والحدث الفردي ، فيرى سوسير في هذا المقام ، أن فصل اللسان عن الكلام هو في الوقت نفسه فضل:

1-ماهو اجتماعي عما هو فردي.

2-ماهو جوهري وأساسي عما هو تابع وعرضي.

لكن على الرغم من الفروق الجوهرية الموجودة بين اللسان والكلام، فإنهما في جوهرهما متصلان بصلة وثيقة جدا ، وذلك لأن كلا منهما يقتضي وجود الآخر؛ فاللسان في حقيقته ما هو إلا راسب للاستعمال الفعلي للكلام ، والكلام من جهته أيضا ، لا يعدو أن يكون إنجازا فعليا للحدث اللساني في الواقع ، بوساطة أدوات صوتية وتركيبية ومعجمية يوفرها النظام اللساني.



3-الثنائية:دال/مدلول:

يقوم المنهج الذي تبناه سوسير-كما أوضحناه سابقا- على فكرة النظام اللساني ، الذي يتكون من عناصر دالة منسجمة فيما بينها ، تمثل بنيته الجوهرية ، وهذه العناصر هي العلامات ، وتعد العلامة وحدة النظام اللساني ، وتتكون من صورة سمعية ومفهوم ، ثم يصرح سوسير بالإبقاء على مصطلح العلامة للدلالة على الكل ، وتعويض مفهوم/ وصورة سمعية ، بلفظتي دال/ ومدلول

إن العلامة اللسانية، إنطلاقا من هذا التصور ، هي كلًّ يتكون من وجهين دال ومدلول ، يصعب علينا الفصل بينهما لأنهما يرتبطان بعلاقة تواضعية ، ويرى سوسير أن هذه العلاقة "التي تربط بين الدال والمدلول هي علاقة اعتباطية ، وتتبدى اعتباطيتها في نظره ، في أن دالا معينا يطابق مدلولا معينا في الواقع ، ومن ههنا تصبح العلامة اللسانية تقسيما لهذا الواقع ، عن طريق العفوية لا غير ، فهي بمعنى الاتفاق والاصطلاح ، عكس المفهوم العفوي لدى المتكلم الذي يتوهم بظنه العلامة اللسانية كأنها اسم للواقع.

4-الثنائية:محورركني/محور استبدالي:

ومن خلال هذين الثنائيتين ، عرف سوسير نوعين من العلاقات الذهنية ، بين الوحدات التي تكون الحدث اللساني عند المتكلم-المستمع للغته، وهي تتفرع إلى فرعين:

أ-العلاقات الاستبدالية: والتي كانت تنعت في المباحث الأولية لسوسير بالعلاقات التقارنية.

ب-العلاقات الركنية:أو الترتيبية:

فالعناصر اللسانية في الخطاب المنطوق أو المكتوب ، تخضع خضوعا إلزاميا لسلطة الطبيعة الخطية للغة ؛ فهي إذ ذاك ترتبط فيما بينها بعلاقات ركنية ، تقتضيها طبيعة اللسان اقتضاء، مما يجعل العناصر اللسانية ، أثناء العملية التلفظية ، تتوالى وتتلاحق في نسقية خطية لتشكل البنية التسلسلية للخطاب ، ويرتد ذلك في جوهره إلى مجموعة السنن أو القوانين ، التي تعتمد في الإجراء التأليفي بين العناصر المتعاقبة ، والتي تكون المتوالية التلفظية ، وذلك مما ينعت بالمحور الركني، أو محور المتعاقبات، الذي يتكون من عنصرين لسانيين فأكثر، وأن القيمة الدلالية-للعنصر اللساني-تتحدد بالمقابلة بين العناصر اللسانية التي تسبقه أو تلحقه ، أوبهما معا .

ومن جهة أخرى فإن الكلمات بمعزل عن الإنجاز الفعلي للخطاب،هي علاقة قائمة على التشابه من حيث تركيب وحداتها في الذاكرة،وذلك ما يسميه سوسير بالعلاقات التقارنية أو الاستبدالية، والتي تكوِّن محور المتقارنات أو المحور الاستبدالي.

يكون سوسير بهذه المتوالية من الثنائيات ، قد حدد الإطار المنهجي لتدارس الظاهرة اللغوية من منظور اللسانيات ، من خلال النقاط الخمسة التي أوضحناها أعلاه ، ولتحقيق هذه الأهداف ، لا بد من اعتماد المنهج العلمي الموضوعي الذي يتميز بالمقاييس التالية:

1-ملاحظة الظاهرة مع التجريب والاستقراء المستمر.

2-الاستدلال العقلي، والعمليات الافتراضية و الاستنتاجية.

3-استعمال النماذج والعلائق الرياضية للأنساق اللسانية ، ومع الموضوعية المطلقة[17].

ثالثا-فروع اللسانيات:

بعد رواج أعمال سوسير ، تطورت الدراسات ، وتكاثرت مباحثها حتى أصبحت شبه عموم مستقلة بذاتها ، على أنها كلها تنتمي إلى اللسانيات ، فنستطيع أن نعتبرها فروعا عنها ، على أنها كلها تندرج تحت فرعين أساسين هما:

-اللسانيات النظرية: التي تتصل الدراسات فيها بالمستويات اللغوية، كالصوتيات أو علم الأصوات ، علم التراكيب ، علم الدلالة...

-اللسانيات التطبيقية: وهي التي تستفيد من الدراسات النظرية ، لتطبيقها على أرض الواقع ، ومن أهمها تعليمية اللغات وعلم أمراض الكلام اللتان كانتا من فتوحات الدرس اللساني الحديث ، وكذا التخطيط اللغوي، والمعجمية ، والترجميات...

وهناك فروع عن اللسانيات ارتبطت بعلوم أخرى، واستفادت منها ومن مكاسب الدرس اللساني،لتنتج علو جديدة هي-مثلا-:

اللسانيات الاجتماعية ، اللسانيات النفسية ، اللسانيات الجغرافية اللسانيات العصبية ، اللسانيات التربوية ، اللسانية الأجناسية..بالإضافة لفروع أخرى أكثر تجريدية ، كاللسانيات الحاسوبية واللسانيات الرياضية...[18]

المحاضرة الثالثة:

أولا-مفهوم علم اللسان( اللسانيات):

تُعرَّف اللسانيات على أنها: " الدراسة العلمية للسان البشري"[19].

إذا تأملنا هذا التعريف وجدناه يقوم على ركنين ، هما:

-العلمية و -اللسان البشري .

ولذلك علينا أن نشرح هذين المفهومين الذين منها نفهم تعريف اللسانيات.

1-العلمية: ماذا نقصد بالدراسة العلمية؟ وكيف تكون الدراسة علمية؟

لقد تطور مفهوم العلم في نظرية المعرفة الحديثة أو الإبيستيمولوجيا ، ويَعنُون بالعلم–من خلالها-: كل ما هو كلي ، موضوعي ، و معلل .

أ-الكلي:

-بالنسبة للظواهر الطبيعية:

نقصد به الظواهر التي تطرد وتستمر-والاطراد والاستمرار مصطلحات عربية أصيلة- في الزمان والمكان (بدون تخلف).

-أما بالنسبة للموضوعات الرياضية: فهو الموضوع وصفا عاما غير معين ولا خاص ، بشيء من الأشياء ، ليمكن من إجراء العمليات الجبرية والمنطقية الصورية عليه، (وذلك مثل المتغيرات الرياضية ).

-فالحاصل:

أن المعرفة العلمية –بوصفها نظاما كليا-هي قبل كل شيء ؛ معرفة عامة ، لا تتعلق بأعيان الأشياء ، بل تتجاوزها إلى القدر المشترك الموجود في كل منها، أي الأوصاف المستمرة التي يسميها المسلمون "أصولا".

ونخرج من هذا الحاصل بنتيجة وقاعدة:

-النتيجة:

كل مفاهيم العلم مبنية على هذا الأساس (الكلية) ؛ سواء كانت مشاهدة ، أم استنباطا ، أو استنتاجا ، أم قانونا أم مبدأ.

-القاعدة:

كلما ارتفعت المعرفة ، في درجات العموم والاطراد ، كانت أفيد وأعرب لكل حقيقة.

ب/-الموضوعية:

هي الوصف الثاني الذي تعارف الناس عليه في هذه المعرفة ، ويعني بها العلماء المحدثون:

الصفة التي تَكونُ عليها معلومات الشخص ، عند مطابقتها التامة للواقع الخارجي ، ويسمى هذا الخارج موضوعا.

والخطر كل الخطر الذي يتهدد المعرفة العلمية الصحيحة، ناتج عن نشاط الذوات، إذ ربما لا تميز بين ما هو راجع لها ، أي إلى نشاطها الذاتي الخاص بها ، وبين ما هو راجع إلى موضوع نشاطها في نفسه أي الأعيان في أنفسها.

وإذا أردنا أن نصل إلى المعرفة العلمية عندما نتعامل مع " الموضوع" فعلينا أن نقوم بعمليتين ، هما المنبع الرئيسي للعلم : الحس والنظر.

فالحس،هو تصفح الأمور وتتبعها-كما يقول أسلافنا-، أي مشاهدة الظواهر و عيانها.

والنظر،هو إجراء العمليات العقلية على محصول المعاينة ، أي على المعطيات التي تثبت وجودها( في عملية الحس).

-نتيجة:

فالمعرفة العلمية، إذن نتيجة لسسلسلة من العمليات التحويرية والتنظيمية ، يقيمها العقل على مادة الحواس.[20]

وهذا ما يعنيه العرب بالنسبة للمعرفة النحوية ، فقد قالوا : "إن النحو معقول من منقول"[21]

وتبعا لهذين العمليتين ، تنازع البحث اللساني المعاصر نزعتان:

-الأولى-حسية نقلية، تعتمد على المشاهدة والاستقراء لمعاينة الأحداث وتصنيفها لاستنباط القوانين ، ويمثلها الطرق الاستنباطية ، التي تستعملها العلوم الطبيعية ،وقد تجلى ذلك في المدارس البنوية التصنيفية الكلاسيكية، التي اشتقت من توجهات سوسير.

-الثانية-عقلية، تعتمد على الفرضيات الاستنتاجية ، التي تنطلق من مسلمة ثم تُولِّد عنها مجموعة من القواعد ، التي تستنتجها بفعل عمليات معينة ، تختبر بها مسلماتها فترفض الفاسد أو تستبدله ، وتقبل الصحيح وتتمسك به، ويمثله المذهب النحوي التوليدي التحولي الأمريكي ، الذي كان ثورة على المذاهب البنوية الأخرى.[22]

جـ/-التعليل:

هو المميز الثالث من مميزات المعرفة العلمية ، ويعتمد على مفهوم اللزوم ، وهو أهم عنصر يدخل في تركيب القوانين العامة ، فأن يلزم شيء شيئا آخر؛ بعد أن يثبت لنا بالاستقراء ( أي المشاهدات الكثيرة والتصفح الواسع) ، أن الحادث (أ) ، يتلوه في الوجود الحادث (ب) ، ونكون بذلك قد استنبطنا قانونا طبيعيا عاما ، يوضحه:

في أحوال معينة

القانون العلمي= ظاهرة (أ) ظاهرة (ب)

باللزوم

ويشرحه:

القانون العلمي هو كل صيغة (سواء كانت قولا أو رموزا رياضية)، تثبت وجود علاقة بين حادثتين (أ) و (ب) ، تبنى هذه العلاقة على اللزوم و الوجوب و تُعَيِّن الأحوال التي تثبت فيها العلاقة اللازمة.

فالعلم لا يبلغ غايته ولا تتحقق أهدافه إلا إذا انتقل من ملاحظة الأشياء (الموضوع) ، إلى ملاحظة العلاقات والنسب القائمة بينها ، وأهم غرض يعقده الباحث على موضوع بحثه هو اكتشاف هذه العلاقات.[23]

2-اللسان البشري:

وهو موضوع الدراسة اللسانية ، وهذا اللفظ اصطلاحي ، لا نعني به اللفظ المتداول بيننا ، فاللسانيات تعمل من خلال إجراءاتها على إعطاء مفهوم لهذا "اللسان" . والذي يهمها ليس صفاته الذاتية بل صفاته الموضوعية التي ترتبط بموضوع أبحاثها ، أو ما ندعوه المظاهر اللسانية.

هذا وقد عرفه مارتيني،بما يلي:

"إن اللسان هو أداة تبليغ، يحصل على مقياسها تحليل ما يخبره الإنسان ، على خلاف بين جماعة وأخرى ، وينتهي هذا التحليل إلى وحدات ذات مضمون معنوي وصوت ملفوظ ، وهي العناصر الدالة على معنى (مونيم)،

ويتقطع هذا الصوت الملفوظ إلى وحدات مميزة ومتعاقبة ، هي العناصر الصوتية ( الوظيفة ) أو الفونيم ، ويكون عددها محصورا في كل لسان ، وتختلف هي أيضا من حيث ماهيتها والنسب القائمة بينهما باختلاف الألسنة."[24]

إن هذا التعريف للسان البشري ، كما تريده اللسانيات الحديثة ، المبنية كما أسلفنا ، على العلمية ، قد تطور بتطور البحث اللساني ، وسنشرح هذا التعريف عند حديثنا عن الخصائص العلمية لهذا اللسان.

ثانيا-خصائص اللسان البشري:

كشف سوسير من خلال دروسه عن حقائق لسانية ، تعتبر مبادئ بلورت مفاهيم الدراسات اللسانية ومناهجها ، وغيرت بعض الأسس، رأى أنه ينبغي معالجة الظواهر اللسانية بها ، وبعضها الآخر متعلق بخصائص اللسان البشري ، لكننا قبل أن نخوض في هذه الخصائص ، علينا أن نمهد للموضوع بالحديث عن الأنظمة الدلالية وعلاقتها باللسان، ليتضح مقامه بينها:

تمهيد-اللسان البشري والأنظمة الدلالية:

إن النظم الدلالية كثيرة ومتنوعة ، والأدلة بدورها في المجتمع كثيرة ومتعددة ، والعلم الذي يبحث في كل النظم الدلالية الأخرى غير اللغوية، هو علم الأدلة أو السيمياء ، التي بَشَّر بها سوسير كعلم ينضوي تحته علم اللسانيات ، فتَدرس الأولى الأدلة اللغوية وغير اللغوية ، بينما تختص اللسانيات بدراسة الأدلة اللغوية فقط.

وسنميز هنا بين أنواع الأدلة من خلال نوعين من الأنظمة الدلالية:

1-الأدلة التي لا تتوفر فيها نية التبليغ: ويدخل تحتها

المؤشر أو الإشارة:

مثل دلالة السحاب على المطر، أو الدخان على النار، أو الرائحة الزكية على الورد ، ...

2-الأدلة التي تتوفر فيها نية تبليغية:

الدليل: الذي يبين ل

اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة

(قام بشكرك) : الأمير2, نطٌور

Please تسجيل الدخول or إنشاء حساب.. to join the conversation.

الوقت لإنشاء الصفحة: 0.137 ثانية
بدعم من منتدى كونينا